أطأطئ رأسي

يقول أحد الأمثال الشعبية المتداولة عند أهل آسيا الوسطى : إذا مات عزيز لديك فتوسَّل إلى الله أن يطيل عمر معارفه. يحمل هذا المثل في طياته بهجة المعرفة البشرية التي تراكمت عبر العصور، لأننا إن كنا في ريب من الأخوة البشرية المشتركة بين جميع الأقوام والأجناس؛ فإننا نرجع إلى أقوالهم السائرة وأمثالهم وحكمهم ومواعظهم ووصاياهم، لأنها أكثر من أي نتاج أدبي آخر، تخترق قشرة الاختلافات الحضارية وفروق البيئة، وتكشف أمام أعيننا طبيعة البشر الفطرية في كل زمان ومكان.

 لم يأت هذا القول مصادفة لأن ذاكرة المعاصرين كأنما تطيل عمر الإنسان الذي يغادرنا. فالأحياء يحاولون بذكرياتهم مقاومة الخسارة التي لا تعوض. وخسارتنا فادحة وعظيمة بفقدنا ذلك الإنسان والقاص المبدع تاج الدين الموسى. يصعب علينا التصديق لأن هذا الرفيق الشجاع والصديق العزيز لم يعد بين ظهرانينا منذ عام.هل حقاً مات تاج الدين الموسى؟ ها هو ذا يعيش بيننا بما تركه من أرث أدبي وسيرة عطرة. وها هي ذي مجموعاته القصصية تتداولها الأيدي البشرية المحبة للعدالة والخير والسلام. وها نحن أولاء في ذكرى رحيله نحاول بالكلمات صياغة مشاعرنا. فما أروع عالم الكلمات الذي أحبه وأخلص له كاتبنا الراحل. وبواسطة عالم الكلمات أدركنا نحن ما في روحنا من مشاعر، وفهمنا كل العالم القابل للفهم.

 ونحن ندرك اليوم أنه من دون الكلمات لا وجود للإنسان وحضارته، وهذا ما يجعل عالم الكلمة ساحراً. وقد أصاب حمورابي حين قال: من يترك حرفاً على الآجر يتألق مثل الشمس.فكيف كان تاج الدين الموسى يعالج الكلمات في إنتاجه الأدبي، وخاصة تلك القصص التي ترسم بدقة قيم أهلنا في عاداتهم وتقاليدهم، وتصور قضايا حياتنا المعاصرة؟ وكيف استطاع بموهبته الفذة استعمال الكلمات وصياغتها صوغاً يشيد تلك الأبنية الفنية الجميلة؟ وكيف ومن أية جزئيات وفي أية ظروف تنتظم الكلمات في جمل وتتحول إلى حكاية حية ملتهبة بالمشاعر الإنسانية كما تلتهب من الحطب ألسنة النار الصغيرة التي تندمج فيما بينها لتشكل شعلة تضيء الدروب المظلمة. كيف يحدث ذلك؟

 فكرت في هذا الأسئلة وأنا اقرأ المجموعات القصصية التي أصدرها تاج الدين الموسى في حياته. وهأنذا أسمح لنفسي بالقول بأنني مطلع جيداً على حياة ونتاج هذا القاص، فأنا أستنتج من جديد استناداً إلى ما كتبه، بأن كلمات تاج الدين الموسى لا يمكن أن تكون محايدة، لأن كاتبها ولد وعاش مع الناس. إذ استقى منهم خبرته الروحية والأخلاقية من خلال أفراحهم وأتراحهم في ماضيهم وحاضرهم وفي أمانيهم المنشودة وأحلامه الضائعة. جمع تاج الدين الموسى في روحه السامية الأفكار والمشاعر العائدة للكثير من الناس وعكسها في فنه إبداعاً موفقاً عبر قدرة مميزة على تكثيف اللغة واحتشادها.وهذا الأمر هو علامة من علامات الوجدان الحي وصدق اللسان في كل نص مكتوب.

 فنحن نجد في قصة الكرسي من مجموعته القصصية (حارة شرقية وحارة غربية) الصادرة عن منشورات اتحاد الكتاب العرب سنة 1996 تلك المعرفة الوثقى الحميمة بالريف وأهله. وهنا نجد تاج الدين الموسى قد وصل بفن القص إلى ذروته، حين التقط اللحظة الحميمة في حياة أبطال قصصه، مما منح هذه القصص مزيداً من التنوع الذي يحمل الرمز الواعي والذكاء السردي الحرفي الذي يصقل الملحمة اليومية التي يسطرها الإنسان في سعيه نحو الكمال. وكأن الكاتب يمسك بتلابيب مرآة الفن الإبداعي لتعكس الحدث وطبيعته وتحللها بما يشبه المنشور الزجاجي الذي يلتقط نتف وأنصاف المشاهد والصور بألوانها وأضوائها وظلالها ليعكسها في المرآة. وما مرآة تاج الدين الموسى هنا سوى هذا الأسلوب الراقي في تناول الحدث ورسم الشخصية. وحين نقرأ شخصية الأم في قصة الكرسي نجد تلك الألفة الريفية الحميمة، فهي تقول لأبنائها: بالله لن تتزوجوا إلا من بنات أعمامكم. فهمتم. أتأخذون نساء غريبات وبنات عمكم قاعدات في بيوت أهلهن؟ أعمامكم وأولاد أعمامكم سند ظهوركم تبيعونهم من أجل نساء غريبات مستوردات من المدن. من لا يأخذ من ملته يموت بعلته. ويمكن القول هنا بمزيد من اليقين: إن الكاتب اتخذ لنفسه دوماً درباً لم يغيره، وحرص على الاستمرار فيه، وهو أنه ركب الصعب في اختيار وسيلة اتصال راقية هادفة تحقق الوصول إلى المشاركة الإنسانية الوجدانية إزاء الحدث. ويبدو النسج في مجموعاته القصصية منسجماً وكاملاً على تنوع ألوانه مما يحقق التأثير الجمالي والمعنوي في النفس الإنسانية، ويحقق استجابة سريعة للمتغيرات التي تقع في الحياة، وتقييمها والقدرة على استشراف واستيعاب كل ما هو جديد، وتسليط الأضواء على تلك الجوانب الحياتية التي تشكل وجودنا بكامله على نحو أو آخر. نحن أمام كاتب امتلك أدواته الفنية باقتدار، وشيد عالماً يخصه لا يقلد فيه أحداً. وها نحن أهله وأصدقاؤه ومعارفه في جمبع أرجاء الوطن نطأطئ رؤوسنا تكريماً لذكرى رحيل هذا الرفيق العزيز.

العدد 1140 - 22/01/2025