القروض… هل تعود المصارف لدورها الاجتماعي؟!

أعلن المصرف التجاري السوري مؤخراً معاودة منح قروض الدخل المحدود بعد أن وافق المصرف المركزي على ذلك. وبيَّن التجاري أن مدة كل قرض ثلاث سنوات وبفائدة قدرها 13%، إذ إنه سيخصص كتلة مالية قدرها 10 مليارات ليرة سورية لإقراض المواطنين بضمانة راتب الموظف الموطن مع كفيلين اثنين، في حال كان راتب الراغب في الحصول على القرض منخفضاً، وكفيل واحد في حال كان الراتب مرتفعاً، علماً أن القروض ستمنح لجميع العاملين في القطاعين العام والخاص.

وأشار التجاري أن خطته لعام 2013 تتجلى في تحقيق التوازن بين ضرورة الاستمرار في السياسة المتحفظة بإدارة الموجودات المتمثلة بالتسهيلات الائتمانية المباشرة وغير المباشرة وإدارة المطاليب، وذلك بهدف الحفاظ على السيولة في ظلِّ الأوضاع الراهنة، علماً أن حجم الودائع الموجودة بلغت 324مليار ليرة.

 أتى هذا الإعلان بعد أن أوقفت القروض سابقاً بذريعة الأزمة التي تحيط بنا، وكأن الأزمة باتت الشماعة لكل القرارات والسياسات، التي يأتي المواطن ذو الدخل المحدود والطبقات الفقيرة في آخر درجات اهتمام أصحاب القرار والشأن. نحن لن ننكر أن النشاط الاقتصادي حالياً في أدنى مستوياته، ولاسيما الصناعي والزراعي والتجاري. ولكن إيقاف القروض في السابق أدى إلى رفع معاناة شريحة كبيرة من المواطنين ذوي الدخل المحدود والدخل الضعيف، وأسهم في عدم الاستقرار الاجتماعي لتأثيره على الأسرة السورية، لأنه يُشكل مخرجاً لتسديد الديون والإيفاء بالمستحقات المالية التي تراكمت في ظل الأزمة، وانخفضت معها القدرة الشرائية وتفاقمت معدلات البطالة إلى حدود غير مسبوقة.

فالقروض هي من الخدمات التي تمس المواطن، وهي الأكثر انعكاساً على الواقع العام الذي يُظهر حجم وأهمية الخدمات التي يمكن للمصارف تقديمها للكثير من الشرائح الاجتماعية المختلفة. فعلى سبيل المثال: القروض التي كان يمنحها المصرف العقاري هي مبالغ صغيرة لشرائح عريضة وواسعة من الموظفين وذوي الدخل المحدود والدخل الضعيف، إذ تتراوح بين 50 ألف ليرة سورية لقرض (سيريا كارد) المقرر بمقدار عشرة أمثال الراتب المقطوع بسقف 200 ألف ليرة سورية، ومليون ونصف مليون ليرة سورية للقرض السكني. فهي بالتالي تمس أعداداً كبيرة من المواطنين من جهة، وهي أيضاً قروض تنخفض فيها نسبة المخاطرة إلى 0%، لأن سداد القرض مضمون من خلال الراتب نفسه الذي يتقاضاه المقترض. وتبقى الضمانات قائمة حتى في حال وفاة المقترض وكفيله بوساطة التأمينات الاجتماعية. وفي الوقت ذاته تحقق للمصرف ربحاً من الفوائد التي يجنيها شهرياً من المقترضين.

ومن ناحية أخرى فإن أفضل فرص التشغيل للسيولة بالنسبة للمصارف تكمن في قروض ذوي الدخل المحدود. فمهما تعددت طلبات القروض فإن مبالغها تبقى ضئيلة بالنسبة لسيولة أي مصرف حكومي أم خاص، فهي مضمونة وذات عائد جيد، وهي توفر للمصارف مبلغاً مهماً يدعم أدوات السيولة المتاحة لديها. إضافة إلى أنها تدعم قدرة المصارف على توفير مزيد من التمويل لقطاعات الأعمال في السوق المحلية، الأمر الذي يعزز النمو الاقتصادي الكلي في الدولة.

الواقع أن منح القروض الشخصية، أو قروض التجزئة الصغيرة ذات سقف ال 300 ألف ليرة سورية لا يقتصر في ميزاته وايجابياته على المضمار المصرفي فقط، بل يتعدى ذلك إلى المضمار الاجتماعي، إذ يحل كثيراً من المشكلات المعيشية، عبر استثماره في مشاريع صغيرة مولدة لدخل رديف، ويساعد الأسر المقترضة في حل مشكلاتها المادية. كما أن إنشاء مشاريع مولدة للدخل سيؤدي حتماً إلى خلق فرص عمل جديدة، وبالتالي تخفيض معدلات البطالة. فالقروض خدمة اجتماعية ضرورية في هذه الظروف وهدف اقتصادي محلي من أجل توفير بعض السيولة لأصحاب الدخل المحدود. فالسيولة ستذهب إلى السوق وتشجع على الاستهلاك وتكسر ركود الأسواق، وهو أمر يساعد منتجاتنا المحلية على استعادة أوضاعها في السوق. وقد أدى إيقاف القروض لتراجع المبيعات بشكل واضح.

إلا أن المصارف فضلت الخيار السهل وبقيت أسيرة مصالحها الأقل تعقيداً والمقيدة بالضمانات، ولكن تلك الضمانات لا يمتلكها الفقراء، وإلا أمكنهم أن يكونوا زبناً لتلك المصارف، فأمست القروض شحيحة عليهم، في ظل سياسات اقتصادية لا تحابي الفقراء على الرغم من أنهم المحرك الأساسي لدورة الحياة الاستهلاكية والاقتصادية، وعلى الرغم من احتياجهم الكبير إلى رأسمال صغير يمكّنهم من القدرة على دوران محرك حياتهم. فنرى ضرورة الاستمرار بمنح القروض لذوي الدخل المحدود وتعميم ذلك على بقية المصارف الحكومية والخاصة، لأن القروض من هذا النوع ممكنة وسهلة وسيولتها متوفرة. والأكثر من ذلك هي ضرورة اقتصادية واجتماعية للمصارف لتشغيل أموالها في أطر مضمونة، إلا إذا أرادت سلطاتنا المصرفية الانسحاب من واجبها الاجتماعي!.

العدد 1140 - 22/01/2025