أسطوانة الغاز.. والسؤال: من أين لك هذا؟
منذ شهرين ونحن نصلّي يومياً، ونشعل ثلاث شمعات في الصباح والظهيرة والمساء، كي تحافظ أسطوانة الغاز على صحتها. ونسهر عليها الليالي الطوال كيلا تصاب بمكروه! وكنّا نحزن عندما يضعف اللهب المتصاعد من رؤوس الغاز، ونتألم عندما يبهت لونه الأزرق!
شهران وما تزال الأسطوانة الجالسة في عرشها، معززة مكرّمة وعليها حراسة مشددة، ويخضع بقاؤها فترة طويلة، وذلك لاحتمالات عدة وأسئلة كثيرة منها: لماذا لم ينفد غاز الأسطوانة حتى الآن؟ هل كان حظنا أنها ممتلئة دون نقصان؟ أم أن ربّة البيت تحافظ عليها وتخصصها للأمور الخفيفة المستعجلة، مثل القهوة والشاي للزوار المقربين والمكرمين؟ أو أن السخانة الكهربائية هي التي أطالت عمر الأسطوانة؟!
لقد علمتنا الأزمة دروساً عدة، بعد أن اكتوينا بمرارة فقدان المازوت والخبز لفترات متباعدة، وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بشكل جنوني.. واعتمدنا خطة تنطلق من قاعدة تدبير الحاجات وتوفير المواد التموينية الاحتياطية، وتخزين ما يتحمل التخزين لعدة شهور. كأن نحتفظ كما يفعل الآخرون بثلاث ربطات خبز لأسبوع، كعمل احتياطي في ظل أزمة ستكون طويلة كما يبدو! خوفاً من تعطيل المسلحين الأفران في مناطق القتال.
وكان القلق يتكاثف كل يوم، وصور الخوف من المستقبل ماثلة أمامنا، إلى أن عقدنا جلسة أسرية سرية، بعيداً عن أنظار الجيران وبعض الحاسدين منهم. وقررنا أن (نتغالظ على جارنا صاحب سيارة يعمل على خط دمشق- بيروت)، بعد أن وصل إلى مسامعنا خبر يقول، إنه ينقل الأسطوانات من سورية إلى لبنان، ويبدّلها بأسطوانات ممتلئة ويحسب ثمنها بالدولار. ويتبع الرجل أسعار العملات أثناء نشرة الأخبار. فقد كانت الأسطوانة مثلاً ب 1800 ليرة سورية قبل أسبوعين، ثم أصبحت ب 2300 ليرة في الثلث الثاني من هذا الشهر.. وفي يوم الاعتدال الربيعي الذي يصادف21 آذار، ويصادف الاحتفال ب (عيد الأم)، ارتفع سعرها إلى 2500 ليرة. وبذلك تكون فرحتنا كاملة دون نقصان ببقية الأعياد الأخرى!
ووافق جارنا أبو وجدي الذي يذهب يومياً في الرابعة صباحاً، إلى بيروت ويعود مساء، أن يبدل لنا أسطوانتين بخمسة آلاف ليرة. ووضع شرطاً واحداً فقط، أن نقول لمن يسألنا عن الثمن بأن تعبئة الواحدة بثلاثة آلاف ليرة! وقلنا له أيضاً أن لنا شرطاً واحداً، بأن لا تُسجَّل الأسطوانتان في سجلات أمن الحدود من الطرف اللبناني، بأنهما دخلتا كلاجئتين إلى لبنان. فوافق الرجل دون رتوش أو مقدمات، وهو المعروف بأنه يتقن فن الابتسام.
وفي تمام الساعة العاشرة ليلاً، حملت أسطوانة وزوجتي حملت الثانية. وقمت خلال هذه المسافة التي تقدر بمئتي متر، بضرب مفاتيح البيت على الأسطوانة فاشتعل رأسها طرباً ورنيناً. وخرج بعض الجيران عند سماعهم موسيقا الجاز، وهم يحملون الأسطوانات مثلنا ويرقصون بفرح، لأنهم منذ شهرين لم يشموا رائحة الغاز ولم يسمعوا مثل هذه الموسيقا! وتصوروا حالمين أن المدير العام لسادكوب، وقع اختياره على حينا بمناسبة أعياد آذار، وأرسل قاطرة ومقطورة فيها 500 أسطوانة. وعندما سمعوا مني الخبر الصحيح وعن ال 3000 ليرة، عادوا إلى بيوتهم وهم يحملون عشرات الخيبات!