ثورة الهر الخائف
الهر والخوف شقيقان، أغلبية الشعب الهرري مسكونة بالخوف من الآخر، الآخر ال(بني آدم) الشرير بالدرجة الأولى، ثم من الهر الأكبر الذي يأتي ليغتصب منه صيده البسيط، والحيوانات الأكبر المتعايشة معه والمتحفزة للانقضاض عليه..
لكن أليس لخوف الهر حدود؟
نعم، مثل كل ظاهرة للخوف حدود، كالمرونة مثلاً، إذ إن المعدن المرن لديه حد مرونة حالما يتخطاه الاجهاد المفروض عليه يحصل قطع أو قص، هنا تصبح مرونة المعدن مجرد ذكرى جميلة..
في رواية (صالبا) للكاتب والمخرج السينمائي الكردي (التركي) يلماز غونيه يعاني بطل الرواية صالبا الفقير رث الثياب والشكل من ظاهرة الخوف من جميع الناس، الخوف النابع من حالة عدم الثقة بالنفس، لكن تراكم حالة الخوف لديه يخلق حالة معاكسة، يتحول الخوف إلى شجاعة تفاجىء كل من يعرفه..
ما حصل مع أبو أحمد الهر، نتيجة لنق زوجته هدبا التي يظن معظم أهالي القرية أنها هي من مسخته الى هر، وجعلته يخشى كل الناس، المختار والمواطنين، الشرطي والناطور، الكبير والصغير.. وأصبح يعرف في القرية المنسية والقرى المجاورة بهذا اللقب، ثم عمد أولاده لاحقاً إلى تعديل اللقب بإضافة حرف الشين الى اللقب الذي التصق بالعائلة فصار الهرش، طبعاً بعد رشوة موظف النفوس وكاتب المحكمة وآخرين لا يتسع المجال لذكرهم.
عودة الى ما حصل، كان أبو أحمد يعيش في سبات ونبات مع خوفه وقلة حيلته، في غرفته الطينية الوحيدة مع هدبا ودزينة أولاد، وكان يلتصق بزوجته ويغطي وجهه باللحاف حين يسمع عواء ذئب في الجوار ليلاً، لكن هراً ماكراً تعود على الهجوم على قن الدجاج، الملكية الوحيدة للعائلة التي لا أرض لها ولا غنم ولا بقر، وأصبح يقنص صوصاً صغيراً كل يوم بطريقة لئيمة تنم عن ذكاء خارق ولؤم منقطع النظير، إذ كان يتسلل إلى أطراف القن المحكم الإغلاق، ومن خلال فتحة صغيرة أسفل الجدار مخصصة لتصريف الماء عند تسرب مياه المطر إلى القن، يمد مخالبه إلى داخل القن، وينتظر مرور الصوص البريء قريبا منه لينقض عليه بمخالبه ويقتله ويتركه مرمياً في ارض القن، وحين تكتشف هدبا القصة صباح اليوم التالي تستغرب وجود صوص مقتول داخل القن المغلق، فقررت أن تراقب الوضع، واكتشفت سفالة الهر الذي ينتقم من عدم قدرته على أكل الضحية بخنقها داخل القن وتركها، فبدأت بتوبيخ أبي أحمد، وشرشحته كل صباح، لكن الرجل لم يحرك ساكناً، إلى أن استطاعت المراة وضعه أمام الأمر الواقع، وزجه في معركة لم يختر زمانها ولا مكانها، فاستدرجت الهر الى غرفة المونة المتصلة بغرفة سكن العائلة، ثم أغلقت عليه الأبواب والنوافذ، وأيقظت زوجها ليقوم بالانتقام من الهر الجزار، وبعد فاصل من الممانعة والردح قام أبو احمد ببدء الهجوم على الهر الحبيس لتطهير المنطقة منه، لف نفسه باللحاف وحمل العصا التي لطالما استعملتها هدبا في عقابه، ثم فتح غرفة المونة بهدوء ليتيح للهر منفذاً للهرب، لكن هدبا دفعته بسرعة إلى الداخل وأغلقت عليه الباب ليبقى وحده مع غريمها وتبدأ المواجهة غير المتكافئة. . .
حالما انتبه الهر الى المؤامرة بدأ يحاول إيجاد منفذ للهرب، وحين تيقن أن الحائط من خلفه وأبو أحمد من أمامه ولا مفر، بدأ باستعمال طريقة الهجوم كخير وسيلة للدفاع، الرجل الذي كان يبدو كشبح وقد لف نفسه باللحاف ويحمل في يده عصا التأديب فوجىء بالعنف المفرط الذي أبداه الهر في مواجهته.
كان يشخر بصوت مرعب ثم يقفز كنمر في وجهه وهو ينشب مخالبه في اللحاف، وأبو أحمد ينادي لهدبا بصراخ يائس أن تفتح الباب كي يتفادى خربشات الهر اللعين، لكن هيهات.. كان يتعربش بزاوية السقف الخشبي، يفح كأفعى جريحة ثم ينقض على الرجل الخائف المرتبك الذي يرفع العصا ليصيبه دون جدوى، وحين أيقن الرجل أنه يمكن أن يلحق بصيصانه على يد الهر المتنمر دفاعاً عن روحه، أدار ظهره للهر، وبدأ بكل قوته محاولة خلع الباب الخشبي، ولأن وزنه ثقيل فقد انخلع الباب مع الملابن من الحائط الطيني، وسقط أبو أحمد داخل الغرفة التي ينام فيها الجميع، ولاذ الهر بالفرار بعد أن أصاب مختلف أجزاء جسمه ب (خراميش) متفاوتة..
في اليوم التالي كانت القرية كلها تتندر بقصة أبي أحمد مع الهر، فيما هدبا تندب حظها على رجل لا يشبه الرجال إلا في الدور التاريخي الأهم.. التناسل.