الإسلام السياسي.. واقع العمالة والتقوقع

بعد مضي نحو عام على ما اصطلح الإعلام العربي والغربي على تسميته بالربيع العربي، بات واضحاً للقاصي والداني أن هذا الربيع لم يزهر إلا الدمار والانقسام. وأكثر ما يمكن تشبيهه بفورات تسونامية تضرب ثم ترتد مخلفة  حجماً هائلاً من الدمار والخراب ومستنقعات قذرة تغدو بؤراً مؤاتية لتكاثر البعوض الناقل للموت.

فبعد أن بدأ الحراك الجماهيري في كل من تونس ومصر أدركت واشنطن أن سقوط نظام زين العابدين بن علي في تونس ومحمد حسني مبارك في مصر سوف يخلق خرقاً كبيراً للأمن القومي الأمريكي ويشكل ضرراً بالغاً للمصالح الأمريكية في المنطقة، خاصة بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، فكان لابد من إعادة ضبط إيقاع هذا الحراك، الذي ساهمت فيه إلى حد كبير جماعات ماأطلق عليه النشطاء السياسيين (أولاد هيلاري).

وتأسيساً على ذلك سعت دوائر صنع واتخاذ قرار السياسة الخارجية الأمريكية وسياسة الأمن القومي الأمريكي لجهة التنسيق واعتماد خريطة طريق تتيح الآتي:

1استخدام زخم الاحتجاجات الشعبية بما يتيح استهداف نظام الرئيس بشار الأسد السوري، ونظام الزعيم معمر القذافي في ليبيا إضافة إلى النظام الجزائري.

2تأمين بقاء الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة.

3 السعي لتأمين صعود حلف واشنطن في كل من تونس ومصر بما يقطع الطريق أمام صعود القوى السياسية التونسية والمصرية الداعمة لخيار المقاومة. وفي هذا الخصوص تضمنت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة النقاط التالية:

1 لايوجد بديل عملي عن حركة الإخوان المسلمين المصرية لجهة التحالف معها، وبالتالي على واشنطن أن تبني استراتيجيتها الجديدة على اعتبار أن حركة الإخوان المسلمين هي الأكثر قوة حالياً في مصر وبقية مناطق الشرق الأوسط.

 2 توجد العديد من النقاط التي يمكن التركيز عليها في بناء الشراكة مع حركة الإخوان المسلمين، من أبرزها: استهداف النظام السوري، استهداف نظام الزعيم معمر القذافي، استهداف النظام الجزائري، إضافة إلى إمكان التفاهم مع الحركة حول الدخول في صفقات مع النظام الأردني والنظام الملكي المغربي.

ومن العوامل التي شجعت واشنطن على المضي قدماً في بناء الروابط مع حركة الإخوان المسلمين المصرية نجد أن:

1- مذهبية حركة الإخوان أكثر ارتباطاً بالاتجاه السلفي وبالتالي فهي بطبيعتها معادية للتيارات المذهبية الإسلامية الأخرى، مثل التيار الشيعي والتيار الإسماعيلي والتيار العلوي. وبالتالي يمكن استخدام الحركة في استهداف حزب الله اللبناني.

2- لايوجد عداء بين حركة الإخوان المسلمين والأنظمة الملكية في السعودية وبلدان الخليج والأردن والمغرب، وبالتالي لايوجد خطر تمثله هذه الحركة ضد هذه الملكية.

3- تتميز الحركة بقابلية التعاون مع واشنطن في ملف عزل إيران واستهداف نظام الجمهورية عن طريق دعمها للحركات السلفية الناشطة داخل بعض المناطق الإيرانية، وبالذات في بلوشستان وخوزستان (1).

وبالتالي فإن ثمرة هذا التعاون والتحالف الأمريكوسلفي تتمثل ب:

1- القضاء على مفهوم القومية العربية عبر إحياء مصطلحَيْ المشرق الإسلامي والمغرب الإسلامي، بما يتضمنه من كانتونات دينية، طائفية، تمنح إسرائيل المبرر لوجودها كدولة دينية.

 2- لن تكون فلسطين هي قضية العرب المركزية بل إيران الشيعية.

3- تسيُّد إسرائيل الدولة المتطورة تقنياً وعلمياً وعسكرياً على المنطقة مقارنة بالدويلات الدينية الناشئة.

فهذه التيارات والحركات الإسلامية الأصولية لم ولن تكون يوماً عدواً للولايات المتحدة ولمصالح الإمبريالية العالمية المتمثلة في السيطرة على مراكز الطاقة في العالم، وإبقاء الشعوب في حالة من التبعية الاستعبادية للمركز.

فأيدلوجيتها_أي إيديولوجية الحركة الأصولية_ تقوم على نقد شرور الرأسمالية مع الدفاع عن الملكية الخاصة، والملكية الرأسمالية المقدسة. وتقوم على معاداة الاشتراكية والشيوعية وتضع تعارضاً بين الإيمان والاشتراكية وتبشر بنظام كلياني استبدادي يستفرد فيه الحزب الأصولي بالحكم… إن هذه الحركات الأصولية لاتتناقض في الجوهر مع الإمبريالية، وكذلك الإمبريالية لاترى في الحركة الأصولية خطراً استراتيجياً على هيمنتها وسيطرتها (2)، ما دام مشروعا الولايات المتحدة وبعض التنظيمات الرافعة لشعارات إسلامية وجهادية يلتقيان حينما يسعيان_كل من جهته_ إلى تدمير البنى وإيقاع الفوضى… لقد التقت الخاصيتان الموضوعيتان لكل من التيار الجهادي العالمي والولايات المتحدة الأمريكية في الحرب على الاتحاد السوفييتي. ففي حين شكلت الشيوعية خصماً عنيداً للإسلاميين في مختلف بقاع العالم ومختلف مواقع الفكر والسجال والاستقطاب، كانت الولايات المتحدة ترى في هذا المعسكر نقيضاً استراتيجياً يحول دون تحقيقها للسيادة المطلقة على العالم (3). وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي كان لابد للولايات المتحدة الأمريكية من عدو تلفزيوني يساعدها على تكريس سيطرتها على مواطنيها أولاً، وعلى شعوب العالم ثانياً. وبالتالي تحقيق مصالحها وأطماعها التوسعية. وكان هذا العدو التلفزيوني جاهزاً لتمثيل الدور. فكانت أحداث 11أيلول 2001م التي شرعنت للولايات المتحدة الأمريكية الاحتلال العسكري لأفغانستان والعراق بحجة مكافحة الإرهاب وتعزيز وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط. عدا أنها اتخذت من مخلفات هجمات2001م ذريعة للتدخل باسم مكافحة الإرهاب في الشؤون الداخلية حتى بالنسبة لدول وبلدان قوية. ولم يعد بإمكان أحد أن يحمي أجواءه من اختراقات الطيارات الأمريكية ولأرضه من وجود القواعد العسكرية ومراكز الاستخبارات. وبلغ الأمر إلى درجة استعمال مطارات دول كبرى مثل إيطاليا وألمانيا وبريطانيا معابر لنقل وترحيل المعتقلين من وإلى سجون ومعتقلات الولايات المتحدة العابرة للقارات (4).

ثم جاءت التفجيرات الانتحارية التي ضربت كلاً من مدريد ولندن لتمنح الولايات المتحدة تبريرات أقوى للتدخل في الشؤون العالمية، إذقاد اليمين العنصري في الغرب_والمرتبط غالباً بالمركز الإمبريالي_ خطاباً معادياً للإسلام، واستطاع بآلته الإعلامية الضخمة أن يكرس صورة نمطية معادية للإسلام. مصوراً الحرب الأمريكية أنها حرب مقدسة للقضاء على الإرهاب الإسلامي ولنشر الديمقراطية. ويمكننا القول إن هذا الخطاب العنصري المعادي للإسلام ساعد، إلى حد كبير، الإسلام السياسي على تعزيز خطابه المعادي للغرب المسيحي لا الإمبريالي، الذي صور الصراع في العالم أنه صراع بين فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، مشوهاً بذلك حقيقة الصراع الطبقي والعالمي.

إن هذا الخطاب الإسلامي الرجعي لا مبرّر لوجوده إلا في عقول الجماهير التي تعيش واقعاً مهمشاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مولداً للإحباط والانهزام الذاتي، في ظل غياب ثقافة علمانية جامعة. لذلك تراهم يستغيثون بالفكر الديني لمنحهم أكثر ما يمكن من الاطمئنان والاستقرار النفسي، فيكونون أكثر ميلاً للعودة إلى(الماضي الذي ذهب)… إلى الأيام الخوالي… إلى أيام العز، أيام كان العرب سادة العالم (مخرجاً وهمياً لحاضر مأزوم) (5). وانطلاقاً من هذا الواقع الاجتماعي الخرب يعمل الإسلام السياسي على تقديم خطاب مشوه للوعي سالب للإرادة، مكبل للطاقات يتركز في نقطتين هما:

 1- يرى الإسلام السياسي أن السبب في ما تعيشه الأمة من أزمات وانحطاط ناتج عن تخلي المسلمين عن الإسلام الأول(عصر النبي والخلفاء الراشدين).

 2- للخروج من هذا الانحطاط والتدهور لابد من العودة إلى التعاليم الإسلامية الأصولية المتشددة في عهد الخلفاء الراشدين.

ويتناسى هذا الخطاب الإسلامي أن المجتمعات الإنسانية في حالة تطور مستمرة، وما صلح لزمان لايصلح لزمان آخر. وقد تنبه المسلمون الأوائل لهذا الأمر، فالخليفة عمر بن الخطاب قام بتغير ما يقارب من أربعين مسألة كانت متبعة في عهد الرسول وعهد أبي بكر الصديق، وذلك حسب اجتهاده ولم يعترض عليه أحد. ومن هذه الاجتهادات: حرَّم عمر بن الخطاب زواج المتعة، وألغى حصة المؤلفة قلوبهم من غنائم الحرب، كذلك قال علي ابن أبي طالب: (لاتربوا أبناءكم على عادات زمانكم لأنهم جاؤوا لزمان غير زمانكم).

 

المراجع:

 (1) موقع (الجمل بما حمل)_قسم الدراسات والترجمة_ماالذي يجري تحت سطح الأحداث المصرية 22/11/2011.

(2)حسن الصعيب، الماركسية والدين من لاهوت التحرر المسيحي إلى لاهوت التحرر الإسلامي، نص للمصطفى إبراهمة، في نقد الفكر الأصولي، ص142 و143.

(3) جريدة (قاسيون)، المشروعان الجهادي والأمريكي مواجهة أم تواطؤ، /7/1102م.

(4) نفس المصدر السابق

(5)حسن الصعيب، الماركسية والدين من لاهوت التحرر المسيحي إلى لاهوت التحرر الإسلامي، نص للمصطفى إبراهمة، في نقد الفكر الأصولي ص140139.

العدد 1140 - 22/01/2025