ليس لكل داء دواء
خرج أبو صالح من عيادة الطبيب وقصد الصيدلية الوحيدة في البلدة ليأخذ علبة الدواء. هي من المرات القليلة التي يخرج فيها من قريته الصغيرة إلى (المدينة) التي ليست سوى قرية كبيرة مخدّمة بالماء والكهرباء وشوارعها الرئيسية معبدة وفيها عيادة وصيدلية ومستوصف ومدارس من أسمنت، إنها المدينة بكل غرابتها بالنسبة لأبو صالح الذي أمضى خمسين عاماً من عمره لم يغادر فيها قريته وقطيع أغنامه، لكن مرضه المزمن دفع عائلته إلى إجباره على السفر على متن سيارة البيك أب الوحيدة في القرية العائدة للآغا طبعاً، ليعاينه الطبيب القادم من مدينة بعيدة، والذي أصبح من أهل البلدة وطابت له الإقامة فيها، حفظ أمراض أهلها وتعلم لغتهم.
علمه الصيدلي كيفية استعمال الدواء: حبة ثلاث مرات بعد الطعام يومياً للعلبة الخضراء، العلبة الصفراء حبة صباحاً وأخرى مساء، أكد الطبيب ذلك وأعاد الصيدلي التأكيد بعد أن وضع خطوطاً عريضة على كل علبة بعدد مرات الاستعمال، لكن أبا صالح ما إن خرج من الصيدلية وبيده كيس الدواء حتى قال في نفسه إن هؤلاء مجانين، لماذا أبقى لشهر أو أكثر آخذ هذه الأدوية، ومن المؤكد أنني سأخطىء بين العلبتين وسأنسى أخذها في موعدها.
دخل إلى الجامع القريب، فتح حنفية الماء البارد، فتح العلبة الأولى وملأ كفه بالحبات ورماها إلى حلقه مع رشفة ماء، ثم أعاد العملية عدة مرات حتى أتى على العلبتين . . . تنفس الصعداء وقصد بيت الآغا ليلحق نفسه بالسيارة قبل عودتها إلى القرية، لم يكد يصل إلى المنزل الفخم حتى انهار وسقط على الأرض، ولم يستفق إلا في العيادة مرة أخرى والطبيب يحاول إنقاذه من موت محقق . . .
***
الجدة التي تسمع من قريناتها أن الدكتور الفلاني شاطر ولا يخيب تشخيصه، وعلاجه (وحدة بوحدة)، تبدأ بـ(النق) على ابنها لأخذها إليه، ينفذ ابنها الأمر برّاً بها، حين تعب من الأخذ والرد، وهو يعلم تماما بأنها سليمة معافاة، قرر أن يأخذها إلى صديقه القديم الذي فتح عيادة في العاصمة وأصبح من أشهر أطباء البلاد، استقبله صديقه بمودة بالغة، واهتم بأمر الجدة، لم يترك شاردة أو واردة فيها دون فحص وتحليل وتصوير، توصل أخيراً الى قناعة صديقه نفسها، المرأة ه لا تعاني أي مرض، سوى أنها في بداية خرف، قال لابنها على انفراد:
أمك لا تعاني شيئاً، فقط اذهب واشتر لها كيس سميري (وهي سكاكر على شكل حبات ملونة) ودعها تأخذ منها كل يوم بقدر ما تريد.
ما حصل أن المرأة أكدت لكل من زارها أنها ارتاحت بدواء هذا الدكتور الشاطر. . .
ما حصل أيضاً أننا نحن الأحفاد بدأنا نتسلل كل يوم إلى غرفة الجدة لنسرق ما تيسر من حبات دوائها ونحن سعداء…
ما حصل أيضاً وأيضاً، أن الجدة كلما نفد (الدواء) ـ وكان ينفد بسرعة غريبة ـ تطالب الوالد بالمزيد من هذا الدواء الشافي وتدعو للدكتور وابنها بطول العمر والتوفيق.
***
رجل وامرأة في خريف العمر يعيشان عزلتهما بعد أن تزوج الأولاد وتفرقوا في أصقاع الأرض، والكلام قبل (الأزمة ـ الثورة ـ الكارثة ـ الحرب)، ولم يبق أمامهما سوى إعادة الحكايات نفسها فيما بينهما، حكايات صارا يحفظانها عن ظهر قلب رغم تعب الذاكرة، وكيس الدواء، لكل واحد منهما كيس فيه أدوية حسب الأمراض التي ظهرت فيه، لكن الرجل من قلة مروته كان يتكاسل أحياناً عن جلب كيس دوائه، فيقول لرفيقة العمر: (دينيني حبة من عندك، وبس جيب الكيس تبعي برجعلكياّها).
***
أما بخصوص ما قاله أبو نواس عن الداء والدواء، فكان الرجل يتحدث عن الخمر، لكن القول الشعري صار حكمة خالدة تقال في كل مناسبة وحال، لا يعرف مرددها أن الشاعر كان يتحدث عن المنكر، والعياذ بالله!
دع عنك لومي فان اللوم إغراء
وداوني بــالتي كانت هي الداء
فصرنا نسمع من يقول: داوها بالتي كانت هي الداء، وهو يتحدث عن أي حالة مستعصية أو مشكلة عويصة.
ليت شعري هل نجد داء نداوي به هذه البلاد المنذورة للخراب؟!
لكن قيل قديماً أيضاً: لكل داء دواء.. إلا الحماقة أعيت من يداويها..
اطمئنوا!