شركات الإنشاءات العامة في سورية بين التهميش والتمكين

يعدُّ القطاع العام الإنشائي من القطاعات الهامة في سورية، وعليه يقع عبء المشاركة في إنجاز خطط وبرامج عملية البناء والتنمية في سورية عبر مساهمته في دعم عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوفير فرص العمل. وتأتي أهميته من كونه من أهم القطاعات التي يمكن أن تعول عليها الدولة في إنشاء مشاريع البنى التحتية، وإعادة تأهيل ما تضرر من المشاريع القائمة بسبب الأزمة.

حظي هذا القطاع الهام برعاية الدولة منذ البدايات، نظراً لدوره الريادي في بناء سورية الحديثة. لكن مع تعاقب الحكومات وتغير سياساتها وتوجهاتها تراجع وانخفضت مساهمته في الدخل الوطني. الأمر الذي تطلب تدخل الدولة مرات عديدة لتقويم مسيرة الإنشاءات الرائدة. ولكن هل كانت الإجراءات المتخذة منسجمة مع الآمال ومتناسبة مع احتياجات العاملين؟ أم كانت تهدف إلى تهميشه على حساب القطاع الخاص، والانفتاح على الخارج؟!

القطاع الإنشائي تاريخياً

بدأ القطاع العام الإنشائي في سورية منذ عام 1966 مع مشاريع بناء سد الفرات، وتتالى بعد ذلك إحداث شركات عامة بغية البناء والتشييد وخلق فرص عمل. وظهرت أول شركة وطنية عام 1967 وهي الشركة العربية السورية للتعمير. وبحلول العام 1987 أصبح عدد شركات الإنشاءات العامة،19 عملت على توفير فرص عمل للفنيين بالتنمية داخل البلد، ما أدى إلى امتصاص البطالة من باقي مهن التشييد والبناء وفتح فرص لمهن جديدة في المجتمع، واستقرار شريحة كبيرة من أبناء الشعب. فوصل عدد العاملين في القطاع العام الإنشائي عام 1986 إلى 166.109عامل، فكانت النتيجة الحد من احتكار القطاع الخاص والشركات الأجنبية للتعهدات العامة، وتحديث البنية التحتية لسورية. ولكن نتيجة للسياسات والقوانين بدأ المهنيون يتسربون للعمل في القطاع الخاص والسفر إلى الخارج، بعد أن اكتسبوا خبرات ومهارات. وكان ذلك بالأخص بعد تطبيق قانون العاملين الأساسي في الدولة عام 1985 ونفاذه على هذا القطاع، بدأت مزايا وحقوق العاملين المكتسبة بالهبوط بخلاف القانون رقم /1/ لعام ،1976 الذي منحهم مزايا ومرونة أدت لنجاح هذا القطاع وتفوقه واستقطاب خبرات وكوادر من السوق المحلية بأجور مقبولة وقتئذ. فأدى القانون الجديد لسحب المرونة من الشركات وبقيت كمقاول ولكن بدون مزايا وحرية حركة اقتصادية مفيدة. وهنا المصيبة التي حصد القطاع الإنشائي نتائجها فيما بعد حتى تاريخه.

دمج الشركات

مع تتالي تنفيذ العديد من مشاريع الدولة وأعمالها، وظهور التداخل النوعي لأعمال بعض الشركات مع بعضها، وبداية ظهور المنافسات وكسر الأسعار بين الشركات لتأمين جبهات عمل لكوادرها، ظهرت أصوات تطالب بالدمج، الأمر الذي ينجح حينما نعمّق ونوطد العقلية الجماعية بالقيادة ونعزز العمل بروح الفريق الجماعي، ما يفعّل ممارسة الديمقراطية ويلغي اللامركزية الإدارية والاقتصادية، الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق ريعية وأرباح تتجاوز خسائر الشركات.

بدأت أولى عمليات الدمج للشركات الإنشائية عام ،1988 وأصبحت 11شركة بدلاً من 19 بالمرسوم 235 لعام ،1988 وبدأت معاناة الشركات تظهر، وبدأ الفساد ينتشر فيما بينها. وانخفضت أعداد العاملين فيها إلى أن وصل في عام 1999 إلى 91.019عاملاً.

ثم جرت ثاني عمليات الدمج، بعد صدور المراسيم ،167 ،168 169 للعام ،2003 لتصبح الشركات الإنشائية ثماني شركات تابعت مسيرتها وسط معاناة من إشكالات العقود المتداخلة، وعدم تأمين جهات العمل عن طريق التعاقد بالتراضي مع الجهات العامة، كما وعدت به الحكومة حينذاك. ولم تعالج أوضاع آليات ومعدات الشركات المحدثة والإقلاع بصيانتها وتجديدها ورفدها بآليات نوعية جديدة. كماً لم تدعم الشركات المحدثة بتمويل جديد (رأسمال جديد)، وظهور ما سميّ مشكلة العمالة الفائضة، في الوقت الذي يتم فيه التعاقد مع متعهدين ثانويين لتقديم أيدٍ عاملة لتنفيذ بعض الأعمال لدى الشركات الإنشائية العامة.

ثم نُقِلَ أعداد كبيرة من العاملين المنتجين لدى القطاع العام الإنشائي إلى مجال الخدمات الهامشية، وقُلّص عدد العاملين الدائمين والمؤقتين في مؤسسات وشركات الإنشاءات العامة، حتى أصبح عددهم في عام 2010 نحو 62 ألف عامل، نصفهم تقريباً من العمال المؤقتين.

ولم تُثبت عمليات الدمج الأخيرة على أرض الواقع أنها عالجت المشكلات والصعوبات التي تعانيها هذه الشركات، بل على العكس فاقمتها، كما أدت بعض عمليات الدمج السابقة إلى نتائج عكسية، لأنها لم تستند إلى رؤية متكاملة للمعالجة.

ومن جهة أخرى فإن الإيجابية الرئيسية لعمليات الدمج هي في وضع حد للانفلات الإداري والهيكلي في جسم هذه الشركات، إذ أحدث المئات من الفروع والمراكز الإنتاجية بفترة زمنية واحدة، ولكن دون أي دراسة اقتصادية، ما أدى إلى تضخم الأعداد الإدارية المكلفة بإدارة هذه الفروع والمراكز والوحدات، وتضخمت معها الأعباء الإدارية على هذه الشركات دون مردود مقابل.

واليوم يوجد في سورية ثماني شركات ومؤسسات إنشائية عامة، هي: شركة الطرق والجسور، وشركة البناء والتعمير، وشركة الدراسات والاستشارات الفنية، وشركة المشاريع المائية، وشركة الدراسات المائية، وشركة أعمال الكهرباء والاتصالات، إلى جانب مؤسستي الإنشاءات العسكرية والإسكان العسكري.

قرارات وانعكاسات

سعى الليبراليون الجدد وتجار القرار الاقتصادي، في العقد الماضي على وجه الخصوص، لنسف القطاع العام الإنشائي وتقويضه بواسطة تركه دون تطوير أو تحديث، فلم يتم اللجوء إلى دراسة مشاكله وحلها كما حصل في شركة الطرق والجسور وغيرها الكثير من المؤسسات، ما أدى إلى تعريض قطاع الإنشاءات لخسائر متلاحقة، وبالتالي ازدادت خسائره، الأمر الذي دفع مهندسي الاقتصاد السوري آنذاك إلى التفكير بعرضه على الاستثمار، وصولاً إلى خصخصته تحت ذرائع مختلفة، منها عدم إمكانية الإقلاع به مجدداً نتيجة ما يحتاجه من سيولة كبيرة لإصلاحه.

ولم تقف الحكومة عند طرح الشركات الخاسرة للاستثمار، بل تجاوزتها لتصل إلى الشركات الرابحة. ثم لجأت إلى دمج الشركات مجدداً كما حصل للشركات الإنشائية، ما نجم عنه مشاكل اقتصادية وعمالية كثيرة.

وكأنَّ مهندسي الاقتصاد في العقد الماضي سعوا إلى تهميش دور هذه المؤسسات التي لعبت دوراً كبيراً في إعمار سورية، فعملوا على تقليص مساهمتها وتحويلها إلى شركات خاسرة على حساب تفعيل دور القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية. وكأنه كان يوجد توجه مبطن بذلك؛ فعلى الرغم من القرارات الكثيرة التي أقرت ولكن التطبيق على أرض الواقع جاء مغايراً لذلك.

الإنشاءات اليوم

اليوم وفي خضم الأحداث التي تعيشها سورية ظهرت مشكلات جديدة أثرت على عمل الشركات العامة الإنشائية ومشاريعها، ومنعتها من الاستمرار بتنفيذ أعمالها والمحافظة على دورها الاقتصادي والاجتماعي، ما انعكس على أوضاع العاملين فيها وصرف رواتبهم وتأمين بيئة عمل مناسبة مع توقف العديد من المشاريع في بعض المحافظات وصعوبة وصول العاملين إلى أماكن عملهم. وقد ترافق ذلك مع تدمير ممنهج للمنشآت والبنى التحتية؛ فكانت أضرار قطاع الإنشاءات كبيرة. فمثلاً انخفضت إيرادات الجسور بنسبة 40% عام 2012.

إن إدراك ذلك يتطلب منا تطوير البيئة التشريعية للقطاع العام الإنشائي بشكل خاص، وقطاع البناء والتشييد عامة، ما يؤدي إلى إعادة تفعيل دور المؤسسات والشركات الإنشائية العامة ودعمها والعمل على تأمين جهات عمل دائمة لها، ما يؤدي لتوفير التمويل اللازم للآلات والمعدات، الأمر الذي يساعدها على التخلص من نواقصها من أجل أن تعمل بكل طاقاتها الممكنة والمتاحة لإعادة بناء المنشآت والمرافق والبنى التحتية التي خُرّبت بأسرع وقت ممكن، في سبيل عودة أبناء شعبنا إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم وتشغيل الكثير من العاطلين عن العمل في هذه المؤسسات والشركات.

إضافة إلى ضرورة تأمين الأراضي المخصصة للبناء من أجل العمل على تلبية الاحتياج الإسكاني المستقبلي.

كما نقترح تطبيق نظام محاسبة التكاليف على جميع المشاريع، ومحاسبة المقصرين والحد من النهب والفساد، عن طريق الإصلاح المؤسساتي وإجراء تعديلات في البنية الهيكلية للقوى العاملة في القطاع من حيث تطوير قدراتها ومهاراتها وآليات تعاقدها.

كما ينبغي رفد القطاع باليد العاملة المهنية المدربة، وذلك بالتوسع في دور مراكز التدريب المهني ومعاهد المراقبين الفنيين، مع تأكيد تطوير مناهج وأساليب التعليم، ما يتيح خلق فرص عمل إضافية للعاملين في هذا القطاع.

كلمة أخيرة

إن الخطوات السابقة تساعد على المحافظة على ما تبقى من الشركات الإنشائية، والعمل على إعادة دوران عجلتها مجدداً، في وقت نحن بأمس الحاجة إلى هذه الشركات الوطنية التي قامت بإعمار مشاريع حيوية سابقاً. واليوم يبرز دورها مجدداً في ورشة بناء سورية، وذلك لسد الطلب المتزايد على الوحدات البنائية بمختلف أنواعها، من مدارس وقطاعات صحية وحكومية ووحدات سكنية، إضافة إلى مشاريع الطرق على اختلاف أنواعها.

العدد 1140 - 22/01/2025