الصناعة السورية والأزمة… الواقع والمطلوب
يعدّ قطاع الصناعة التحويلية من القطاعات الاقتصادية الأكثر تضرراً من الأزمة الحالية. ففي الوقت التي قدرت فيه وزارة الصناعة قيمة الأضرار الأولية في القطاع العام الصناعي (نحو 116 شركة ومعمل ومحلج) بنحو 40 مليار ليرة سورية لغاية الشهر الأول من عام ،2013 فإن أضرار القطاع الخاص الصناعي التي لم يستكمل حصرها حتى الآن سوف تكون بالتأكيد أضعاف هذا المبلغ في ضوء ما جرى ويجري في حلب وريف دمشق وحمص وحماة والمنطقة الشرقية.
لذلك فإن إعادة تأهيل الصناعة السورية ستكون على رأس مهام الحكومة الجديدة فور انتهاء الأزمة. ولاشك في نجاح هذه العملية مرهون بشكل رئيسي بسرعة وشمولية عملية المصالحة والإصلاح التي من شأنها أن توفر الشرط اللازم والأرضية المطلوبة لهذه العملية من ناحية، ورفع العقوبات المفروضة من ناحية أخرى. لذلك فإنه من الضروري والهام التحضير المسبق لهذه المرحلة منذ الآن لإنجاز هذه العملية في أسرع وقت وأفضل أداء، وهذا ما نحاول تناوله بشكل أولي في هذة المقالة.
أولاً- المهمة المطلوبة
تتطلب عملية إعادة تنشيط القطاع الصناعي في سورية في البداية تحديد الإجراءات والتدابير اللازمة منذ الآن لاستعادة نشاط وحيوية القطاع الصناعي السوري ووضع الأوَّليات المطلوب تنفيذها لإنجاز هذه المهمة في أسرع وقت ممكن، بحيث تتضمن هذه الإجراءات أيضاً معالجة المصاعب والمعوقات التي كان يواجهها هذا القطاع قبل الأزمة، وبشكل يمكنه من تدارك وتعويض ما خسره بسبب الأزمة، بكفاءة وقدرة على المنافسة وبأقصر وقت ممكن من خلال:
تنفيذ ما يمكن تنفيذه من هذه الإجراءات منذ الآن.
تحضير ما يلزم لتنفيذ مالا يمكن تنفيذه إلا بعد زوال الأزمة للمباشرة به فور انتهائها.
ثانياً- الوضع الراهن يتمثل الوضع الراهن للصناعة السورية بمايلي:
– منشآت مدمرة أو متوقفة عن العمل بسبب تدمير الآلات أو فقدانها أو صعوبة الوصول إليها.
– مرافق تحتية و خدمية غير صالحة أو / و غير مؤهلة (طرق، كهرباء، ماء، محروقات….).
– نقص و /أو صعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج سواء المحلية أو المستوردة.
– منشآت صناعية منقولة داخل سورية وخارجها.
– خسارة أسواق محلية وخارجية بسبب توقف الانتاج و/ أو ارتفاع تكاليفه (ازدياد الاستيراد وتراجع التصدير).
– انخفاض سعر العملة الوطنية وارتفاع الأسعار، وعدم القدرة على عكس ذلك على سعر المنتج بسبب المنافسة.
– ديون والتزامات مالية مستحقة على الصناعيين للدولة والمصارف.
– نزوح الرساميل والخبرات إلى الخارج.
– ازدياد نسبة البطالة.
– تراكم نتائج الأزمة فوق المصاعب والمشاكل التي كانت تعانيها الصناعة الوطنية قبل الأزمة.
– نقص المعلومات التفصيلية حول الدمار والخسائر(المباشرة وفوات الربح) التي لحقت بالقطاع الصناعي وخاصة القطاع الخاص.
– ضعف كفاءة الإجراءات المتخذة لمعالجة نتائج الأزمة.
ثالثاً- الإجراءات الفورية المطلوبة
– قيام غرف الصناعة بالتعاون مع مديريات الصناعة بحصر الأضرار مادياً ومالياً.
– إحداث صندوق وطني لإعادة إعمار وتشغيل المنشآت الصناعية، يقدّم قروضاً وتسهيلات بشروط ميسرة للصناعيين المتضررين، لإعادة إعمار وتشغيل منشآتهم وإعادتها إلى سورية ضمن فترة محددة. ويكون من ضمن مصادر تمويله فرض ضريبة أو رسم على المستوردات لصالح هذا الصندوق.
– تنفيذ إصلاح وتأهيل البنية التحتية والخدمات اللازمة، بشكل يتزامن مع العمل في تنفيذ المجالات الأخرى، وفق برنامج زمني محدد ومفصل.
– تحديد مناطق مناسبة في المدن الرئيسية لإقامة تجمعات صناعية عنقودية لإعادة تجميع وتطويرالصناعات الصغيرة والمتوسطة، وخاصة التي دمرتها الأعمال المسلحة.
– تهيئة البيئة التشريعية والمالية والتنظيمية لتحفيز الاستثمار الصناعي، واستعادة الرساميل والمنشآت والخبرات التي نزحت بفعل الأزمة (تكليف فريق عمل متخصص لتحديد القوانين الواجب تطويرها أو الواجب إصدارها بأسرع وقت ممكن).
– إحداث المؤسسات الداعمة الضرورية لتقديم الخدمات الضرورية اللازمة لجميع أنشطة القطاع الصناعي (مركز التحديث الصناعي، مراكز فنية للصناعات النسيجية والغذائية وغيرها.، صندوق التنمية الصناعية لتمويل عملية تحديث الشركات، الهيئة الموحدة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، الهيئة الناظمة للجودة…)، وتفعيل دور ما هو قائم منها بمعالجة المعوقات التي يواجهها.
– الوقف المؤقت لتنفيذ اتفاقيات تحرير التبادل التجاري لفترة محدودة مع الدول العربية وغيرها، وذلك بالاستفادة من الظروف والشروط التي تسمح لسورية بذلك وفق هذه الاتفاقيات، وتفعيل قانون حماية الإنتاج الوطني والصناعات الناشئة ومنع الاحتكار.
– إطلاق حملة وطنية أهلية (غير حكومية ) لتشجيع وحث المواطنين على دعم الصناعة الوطنية، وأثر ذلك على معالجة آثار الأزمة اقتصادياً واجتماعياً.
– تطبيق الدور الجديد لوزارة الصناعة بما يمكنها من لعب دورها كوزارة سياسات صناعية لامركزية، وإعادة هيكلتها والجهات التابعة لها على هذا الأساس.
– اعتماد برنامج زمني ومادي متكامل وتوافقي لإصلاح القطاع العام الصناعي، وإعداد دراسات جدوى اقتصادية وفنية موسعة لشركات القطاع العام الصناعي التي دمرت بفعل الأزمة، سواء لتغيير نشاطها أو متابعة نشاطها القديم. ويمكن تنفيذ ذلك على شكل شركات مشتركة عامة أو محدودة المسؤولية.
– تحديد برامج التعاون الفني التي تحتاجها عملية إعادة بناء وتنشيط الصناعة السورية بشكل منسق ومتكامل مع الجهات المانحة والمنظمات العربية والدولية، ووضع تصورات أولية حولها وفق أوَّليات محددة.
– تشجيع إقامة – والتحول من الشركات الفردية والمحدودة المسؤولية – للشركات المساهمة العامة لتوفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل الشركات.
– تحديث قانون التعاونيات الإنتاجية، على نحو يشجع على نشر وتوسيع هذا الشكل من أشكال الملكية.
– تنشيط المعارض والبعثات التجارية الخارجية وبشكل خاص للأسواق المستهدفة والصديقة.
– دعم وتنشيط الجمعيات والمكاتب الاقتصادية والاستشارية الوطنية لتمكينها من المساهمة بشكل فعال في عملية إعادة التأهيل.
– تنظيم دورات تدريبية وتأهيلية للعاطلين عن العمل في الصناعات ذات الأوَّلية لإعادة الإعمار.
رابعاً- الأوَّليات
1- الصناعات المرتبطة بإعادة الإعمار: الأسمنت، الحديد، الكبول، الألمنيوم، البلاط، السيراميك، الدهان.
2- الصناعات التي تلبي الاحتياجات الأساسية للمواطنين (السكر، الزيوت، الألبان، الأدوية..).
3- الصناعات التي تلبي احتياجات القطاع الزراعي (الأسمدة، الأعلاف، الأدوية البيطرية، المبيدات…).
3- الصناعات التي تنتج بدائل المستوردات (تخفيف الضغط على الاستيراد والميزان التجاري)
4- الصناعات التصديرية: النسيج والألبسة، المنتجات الغذائية (توفير القطع الأجنبي اللازم).
5- الصناعات التي تستخدم مدخلات إنتاج محلية (الصناعات النسيجية، الغذائية….).
6- الصناعات القائمة في الأماكن والمناطق الأكثر تضرراً.
7- إصلاح القطاع العام الصناعي.
8- التجمعات العنقودية.
9- إعادة الصناعات المهاجرة.
خامساً- مشاريع برامج التعاون الثنائي والجماعي المقترحة على الجهات المانحة والمنظمات العربية والدولية:
1- إعادة تأهيل الصناعات القائمة، لتمكينها من تجاوز المشاكل والآثار الناجمة عن الأزمة.
2- تنمية التجمعات الصناعية العنقودية، وبشكل خاص للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
3- إقامة وتشغيل مراكز فنية متخصصة (نسيج، غذائية….).
4- دعم فني لتحديث قطاعات صناعية مختارة جديدة ورفع قدرتها التنافسية.
5- رفع كفاءة المؤسسات الداعمة الحالية.
6- بناء القدرات الوطنية في المجالات الضرورية وذات الأوَّلية التي تتطلبها مرحلة إعادة تنشيط الصناعة الوطنية.
أخيراً لابد من تأكيد أن مواجهة ومعالجة نتائج الدمار الذي أصاب الصناعة السورية ليست عملية سهلة وسريعة يمكن إنجازها في فترة قصيرة، لكن التحضير والاستعداد المبكر لإنجاز هذه المهمة الوطنية الكبيرة سوف يوفر الظرف المناسب لنجاح هذه العملية في حسن الأداء والتنفيذ واختصار الزمن وخفض التكاليف.