ليلى والكلب

وهكذا نجَت ليلى وجدّتها من الذئب الشرير وعادت إلى بيتها وقد تعلمت ألا تتجاهل تعليمات أمها أبداً.

كبرت ليلى وأنهت دراستها الجامعية، لقد حققت حلمها بأن تغدو معلمة تعلم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وتروي لهم قصتها مع الذئب.

ذات صباح ربيعي مكفهر.. خرجت ليلى من بيتها متوجهة إلى المدرسة، انتظرت حافلة المدرسة لبعض الوقت ولكنها لم تأت.. لعلها قد فاتتها، استقلت سيارة أجرة وفكرها منشغل بأطفالها الذين ينتظرون سماع حكاية جديدة اليوم. راحت السيارة تتهادى ببطء عبر الشوارع المزدحمة، ضاقت ليلى ذرعاً بالزحام وراحت تنقّل نظراتها ما بين طابور السيارات الطويل وبين عقارب ساعتها المتراكضة نحو تمام الثامنة، موعدها مع أطفالها الأحباء.

لاحظ السائق تململها فاقترح أن يسلك طريقاً فرعياً أقل ازدحاماً.. لم تنس ليلى نصيحة أمها القديمة ولكنها لم تر ما يستوجب الحذر.. هي اليوم تعيش في مدينة تنبض بالحياة لا في غابة مقفرة، ولا يبدو على هذا الرجل الجالس خلف المقود ما يدعو للريبة.. لا شعر يكسو يديه ولا أذنين طويلتين ولا أنياب حادة، ليس ذئباً.. إنه إنسان بالتأكيد، يمكنها الاطمئنان إذن.. هزت رأسها موافقة، آملة ألا تخيب آمال تلاميذها.

راحت السيارة تنعطف يمنة تارة ويسرة تارة  أخرى إلى أن توقفت فجأة في شارع جانبي شبه مهجور، التفتت إلى السائق مستوضحة الأمر ففوجئت به وقد تحول إلى كلب.. طالت أذناه وكسا الشعر جسده وكشّر عن أنياب مخيفة.

صرخت مستنجدة فرددت الجدران الصماء صدى صرخاتها ممتزجة بنباح الكلب الذي اقتادها عنوة إلى وكره المظلم وهم  بالتهامها، توسلت إليه.. استعطفته.. حاولت تعريفه بنفسها مستصرخة ما تبقى من إنسانيته: – أنا ليلى.. ألم تعرفني؟ ألم تروِ لك جدتك قبل النوم حكايتي مع الذئب؟ ألم تقرأها في كتاب الصف الأول؟ أنا هي ليلى.. ليلى والذئب!

اشتدت حدة نباحه وعلا صوت لهاثه.. استنتجت ليلى أن الكلاب لا تقرأ وليس لها جدات تروي الحكايات.. حاولت مقاومته بكل ما أوتيت من قوة.. ركلته.. صفعته.. دون جدوى، وأخيراً خارت قواها أمام ضراوة شهوته للحمها الطري.

في هذه الأثناء.. مر بالأنحاء صياد يؤدي واجبه بتنظيف شوارع المدينة من الكلاب الشاردة اتقاء تفشي عدوى السعار، تناهى إلى مسمعه بعضاً من صراخ ونباح، هرع نحو مصدر الصوت، اقتحم الوكر وأطلق الرصاص على الكلب فأرداه، انتشل ليلى من بين براثنه قبل أن يفتك بها، ولكن لسوء الحظ كان الكلب قد التهم بعضها.. بعضاً من كرامتها.

حملها الصياد الشجاع إلى أمها التي انهمكت بكفكفة دموعها ومداواة جراحها.. بادرتها ليلى بلهجة اعتذار مشوبة بشيء من العتب:

– لم يكن ذئباً يا أماه.. كان كلباً يتقمص جسد إنسان.. لم تحذّريني يوماً من الكلاب!

سقط عن وجه الأم قناع رباطة الجأش المصطنع، وانفجر بركان قهرها نشيجاً ودموعاً.. وشكوى:

– معكِ حق.. معك كل الحق يا بنيتي.. ولكن اعذريني يا حبيبتي، ففي زماننا لم تكن الكلاب تأكل الناس، كان ثمة ذئب شرير وحسب، علِمنا مكمنه فتحاشيناه وخبٍرنا مكائده فحذرناها.. حقيقة يا ابنتي.. لم أسمع يوما بوجود كلاب تأكل كرامات الناس.. لم يحدث ذلك في زماننا قط.

العدد 1193 - 9/04/2026