في الوضع الاقتصادي الحرج موسم القمح… استحقاق قد يحمل الانفراج

لايختلف السوريون حول صعوبة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد الوطني، فالمواطن العادي يلمس لمس اليد تراجع دخله الحقيقي أمام الارتفاع المستمر لأسعار جميع السلع والخدمات،  وانعدام فرص العمل، وحجم الدمار الذي لحق بقطاعات الإنتاج والبنى التحتية. كذلك يرى بأم عينه الفجوات التي يتسلل منها الطفيليون والفاسدون وتجار الأزمات، الذين استغلوا الصعوبات الاقتصادية لمراكمة أرباحهم، وتكثيف نهبهم للأموال العامة.أما خبراء الاقتصاد والفعاليات الاقتصادية المختلفة، فهم إضافة إلى إدراكهم الحسي صعوبة الوضع الاقتصادي والمالي للبلاد، يجتهدون كل من موقعه، في تحديد الأسباب الذاتية والموضوعية التي كانت وراء حالة الركود التي يعانيها الاقتصاد السوري.

ورغم أهمية إبراز مسؤولية الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضه التحالف الدولي المعادي لسورية، بهدف استنزاف القدرات الاقتصادية لبلادنا، فإن العديد من الخبراء حمَّلوا السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المتبعة في العقد الماضي، مسؤولية هشاشة قطاعات الإنتاج الرئيسية كالصناعة والزراعة، مما أدى إلى مضاعفة تأثيرات الحصار الاقتصادي على الاقتصاد السوري برمته.

فعندما تتراوح مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بين 8 و11%، وتتراجع مساهمة الزراعة من 24 إلى 14%، ويهمَّش القطاع العام الصناعي والاقتصادي،  وتقف الرساميل الريعية وراء (فقاعات) النمو التي بلغ متوسطها 5% بين أعوام 2005 – ،2010 حسب الإحصاءات التي سوقتها الطواقم الاقتصادية للحكومات المتعاقبة، فإن مقاومة الضغوط السياسية أو الحصار الاقتصادي ستتسم بالضعف..وتواضع عوامل الصمود.

لقد ساهمنا مع غيرنا على صفحات (النور)في الكشف عن دور هذه السياسات في كبح قطاعات الاقتصاد الحقيقي، لصالح تشجيع أنشطة الرساميل الريعية في المصارف والعقارات ومشاريع السياحة النخبوية، لكننا نرى التمركز في المرحلة الحالية على ملاقاة استحقاق آني،  نعتقد أن النجاح في استثماره قد يحمل معه عوامل الصمود أمام استشراس محاولات خنق الاقتصاد السوري.

بذل الجهود لضمان محصول وفير للقمح

إنه الاستحقاق الأبرز حالياً أمام الحكومة، فاستمرار تأمين الأمن الغذائي للسوريين يعني الكثير في المرحلة الحالية..إنه المهمة الوطنية الأولى الموضوعة أمام الجميع، ونجاح الحكومة في حلها يقوي الصمود السوري في مواجهة حملات التدخل الخارجي، ويجنبها الخضوع للضغوط والابتزاز..ويحافظ على القرار الوطني المستقل، ويجنبها هدر القطع الأجنبي، ويحسن القدرة الشرائية لشريحة واسعة من السوريين، تساهم في تنشيط الأسواق المحلية، مما يؤدي إلى دعم سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، ويعطي جماهير الشعب السوري جرعات مادية ومعنوية بعد ما قاسته من عناء في تأمين لقمة عيشها في العامين الماضيين.

يبلغ متوسط الإنتاج العالمي للقمح نحو630 مليون طن سنوياً،  لكن منذ عام 2000 مرت سبعة مواسم سُجِّل فيها عجز في الإنتاج.أي أن الاستهلاك فاق الإنتاج، وعُوِّض العجز من المخزون الذي انخفض إلى أدنى مستوى،  مما جعل الأسواق العالمية تحت الضغط،  فأي كارثة طبيعية لإحدى الدول المنتجة قد تحدث ارتفاعاً مذهلاً للأسعار التي تتحدد فقط للكميات المعروضة في الأسواق والتي لا تزيد على 109 ملايين طن.

يقدر الطلب العالمي على القمح بنحو 632 مليون طن في المواسم العادية، لكن ارتفاع هذا الطلب أمر متوقع، لذلك يتم اللجوء إلى الاحتياطي العالمي لتدارك النقص. وهذا ما يجعل العالم على شفير الهاوية، خاصة إذا لم تعوض المواسم اللاحقة هذا النقص.

يعد محصول القمح في سورية بنوعيه القاسي والطري،  من المحاصيل الاستراتيجية،  وتشرف الدولة سنوياً على المساحات المزروعة.. والبذار.. وأساليب الري.وتقوم بشراء المحاصيل من المزارعين لتأمين استهلاك البلاد، وتكوين احتياطي استراتيجي بأسعار لا ترتبط بالسعر العالمي للقمح.وقد تطور إنتاج القمح ابتداء من أواخر تسعينيات القرن المنصرم حتى عام ،2007 إذ بلغ متوسط الإنتاج نحو 8,3 ملايين طن، لكن تهميش القطاع الزراعي، وارتفاع أسعار المازوت والسماد و مستلزمات النشاط الزراعي، وإهمال تنمية المناطق الزراعية،  والعوامل المناخية،  أدت جميعها إلى تراجع إنتاج القمح، فبلغ نحو مليوني طن عام 2012. 

أما استهلاك سورية من القمح فيتأرجح بين 5,2 و3 ملايين طن سنوياً، لكن منغصات دائمة ترافق نشاط زراعة القمح في سورية، تبدأ بتأمين البذار والسماد والأكياس للمزارعين بالأسعار والأوقات المناسبة، والتصنيف والسعر الذي تعتمده الحكومية لشراء المحاصيل، وأسلوب التخزين وكلفته،  وكثيراً ما تدخَّل السماسرة والتجار للاستفادة من تخبط بعض القرارات،  كما حدث في عمليات شراء محصول عام ،2007  إذ إن رفض استلام كميات تتراوح بين مليون ومليون ونصف مليون طن من المزارعين، بذريعة إصابتها، أدى إلى استغلال التجار للمزارعين،  وشراء هذه الكميات بالأسعار التي فرضوها.

1 – تأمين المازوت اللازم للريتين الأخيرتين

رغم الصعوبات التي تواجهها الحكومة في تأمين المشتقات النفطية، والفوضى..والفساد اللذين تتسم بهما عملية توزيعها على قطاعات الإنتاج والمواطنين، يتطلب الأمر الآن تسهيل حصول مزارعي القمح على المازوت اللازم للريتين الأخيرتين، وهذه المهمة لاتحتمل التأجيل.. أو المماطلة، لذلك نتوقع تجاوب الحكومة وأجهزتها التنفيذية في المحافظات.

2 – التوصل إلى سعر عادل للمحصول

كانت السياسات المتبعة حيال أسعار شراء المحاصيل تتركز على ضمان حصول المزارعين على ربح يتراوح بين 25و30%، بعد أخذ السعر العالمي لكل مادة بالحسبان.

منظمة الزراعة العالمية (الفاو) حذرت منذ شهور من انخفاض إنتاج القمح في هذا العام، مما يعني ارتفاع الأسعار في البورصات العالمية، وهذا ما حصل مؤخراً، إذ ارتفع سعر (البوشل) ويعادل 27 كغ، من 9 إلى 5,9 دولار، أي أن سعر كغ القمح (مع افتراض سعر وسطي للدولار 100 ليرة سورية)، يساوي 35 ليرة سورية، وهو سعر يفوق كثيراً السعر الحكومي.

لذلك نرى أهمية التوصل مع اتحاد الفلاحين وغرف الزراعة وممثلي المزارعين في مناطق الإنتاج إلى سعر عادل للمحاصيل، يراعي مصلحة الجميع، ويضمن للمزارع ربحاً مقبولاً،  خاصة بعد ارتفاع أسعار المازوت والسماد وبقية مستلزمات العملية الزراعية، كما يضمن لشعبنا لقمة عيشه الرئيسية، بعد أن ذاق الأمرين في الحصول عليها في العامين الماضيين،  ويمكِّن بلادنا من الصمود في وجه التدخل الخارجي بجميع أشكاله السياسية منها والاقتصادية،  ومواجهة أي عدوان عسكري محتمل. كما يقطع الطريق على محاولات مناصري التحالف الدولي المعادي لسورية استغلال غياب سعر عادل لمحصول القمح، وإقناع المزارعين ببيعه إلى السماسرة والوسطاء الذين قد يشكلون واجهة لجهات معادية لسورية، في محاولة لخنق الاقتصاد الوطني..وتجويع الشعب السوري.

3 – تخزين القمح في أماكن عدة..ولو بشكل مؤقت، قريبة من المطاحن العامة والخاصة العاملة، بعد خروج العديد من المطاحن العائدة للدولة من الخدمة بسبب أعمال التخريب والحرق المتعمد. 

إن ضمان محصول قمح وفير قد يحمل بوادر انفراج من حالة الركود التي يمر بها اقتصادنا الوطني، لكن الانتعاش.. ونهوض قطاعات الإنتاج مرتبط ارتباطاً رئيسياً بالخروج من نفق الأزمة العاصفة التي تهدد حياة.. ومستقبل المواطنين السوريين. لذلك نعتقد أن  الحوار الوطني الشامل..غير المشروط بين جميع الأطياف السياسية والاجتماعية والإثنية،  بمشاركة المعارضة الوطنية في الداخل والخارج،  وتحقيق التوافق بين الجميع على مستقبل البلاد،  خاصة أن الميثاق الوطني الذي سيتوافق عليه المشاركون في الحوار الوطني العتيد،  يتضمن تحديداً واضحاً للنظام الدستوري..وأفق التغيير السياسي الديمقراطي،  وملامح النهج الاقتصادي والاجتماعي.الحوار هو المدخل الآمن إلى وقف نزيف الدماء،  ويلبي مطامح الشعب السوري السياسية والديمقراطية والاجتماعية، والذي سيؤسس لسورية الديمقراطية العلمانية.

العدد 1140 - 22/01/2025