سعر صرف الليرة مازال يتصاعد مجلس النقد والتسليف سيد الانتظار وحاكم المركزي سيد الوعود

متأخراً جداً يأتي حاكم مصرف سورية المركزي بإجراءاته. وبغياب الفاعلية، وثقة المواطن، في آن، تغدو وعوده أن (انتظرونا)، وما سيفرج عنه من إجراءات مرتقبة، يشبه ساعة الصفر، لملايين يترقبون لحظة بلحظة، هول الكارثة في حال أتت الإجراءات كالعادة، مهلهلة، بسيطة، مخترقة، وغير كافية لسد النوافذ، التي أتت منها ريح أسعار الصرف المستعرة.

والتأخر في معالجة موضوع أسعار الصرف، ليس من سمات الحكمة، كما تسقط عنه صفات الرغبة في إيجاد أفضل الحلول، لأن أفضلها كما أسوؤها، يعرفه القاصي والداني من الخبراء النقديين، وأعضاء مجلس النقد والتسليف، الذين لم نسمع صوتهم، ولم نشعر بوجودهم. وأزمة أسعار الصرف، طرقت الأبواب، كل الأبواب، والتهمت الجزء الأكبر من قيمة ليرتنا، وأتت على بقايا أمل بأن الليرة ستبقى قادرة على المواجهة والصمود، إلا أن القطار يدرك كل المتأخرين، في وقت لا تنفع فيه  توسلات الانتظار أو صافرات الإنذار.

السؤال: ما الذي دفع حاكم المركزي أن يتأخر ومجلس النقد والتسليف طبعاً  الذي يرأسه  وينتظر كل هذا الوقت ليعلن عن إجراءاته، التي تجعل من سخونة أسعار الصرف تتراجع، وجماح الدولار أمام الليرة يُكبح؟

تحرك مجلس النقد والتسليف، أو بالأحرى غيابه عن الواجهة، لايثير القلق أو الخوف إطلاقاً، لسبب بسيط، يتعلق بحكمة قديمة، مفادها (لو كان لديه شيء لقدمه)، وحتى يثبت العكس، لن نطالب أهم مجلس في الحياة الاقتصادية السورية، وأبرز مجلس يمس حيوات المواطنين بكليتها، أن يقدم شيئاً، ولو من باب التضامن، أو إشعار الآخرين بأنه موجود، ويمارس دوره المحدد. فغيابه اللافت، وانطواؤه المثير للشفقة، بات أفضل بكثير من ظهور باهت نتوقعه، وإلا فليأت هذا المجلس المؤتمن على أسعار صرف الليرة من بين جملة من الأمانات والمهام المنوطة به، بجديد مقنع، يضمن الثقة بالليرة، ويحدد سعراً لا تنطبق عليه مقولة (كلام الليل يمحوه النهار)، أو بصيغة واقعية مريرة، حتى لايبقى ما يتردد في الأروقة الأكاديمية وشارع الصرافة هو المؤكد، بأن كلام المجلس لايرد عليه الصرافون، والمتاجرون بالليرة والدولار.

الليرة التي تتهاوى أسعار صرفها، وتتراجع قيمتها يوماً بيوم، منذ أكثر من شهر، لم تجد من مجلس النقد والتسليف، وحاكم مصرف سورية المركزي، ما يستحق التدخل المباشر، والفوري، والسريع، والحاسم. بدليل أن أول اجتماع أُعلن عنه رسمياً، كان في 20 آذار الماضي للجنة الوزارية المكلفة بمتابعة الوضع الاقتصادي. ويومذاك كانت الليرة هي القضية المطروحة على طاولة اللجنة، ليخرج الحاكم عقب الاجتماع بتصريحات، تحاول الطمأنة، وتعزز الثقة بالليرة، وتعد بإجراءات قريبة، مازالت منتظرة، بعد أن خبا مفعول بالون الاختبار الذي أطلقه بواسطة شهادات الإيداع بفوائد عالية. ولتعزيز سياسة التأخير، والتلطي، والاكتفاء بالنظر إلى مخاطر ما ينتظر عملتنا، بعد أن وصل سعر صرفها إلى 125 ليرة أمام الدولار، وبعد أسبوعين تماماً على اجتماع اللجنة المذكورة، صرح الحاكم بما يثير التساؤل، مساء يوم 3 نيسان الجاري،  (إن المصرف انتهى من إعداد حزمة القرارات الخاصة به والمتعلقة بآلية إدارة سعر صرف الليرة)، وقال (أولى عمليات تدخل المصرف المركزي في سوق القطع الأجنبي ستبدأ مطلع الأسبوع المقبل). وها هو ذا الأسبوع (المقبل) أي الجاري، بدأ وبانتظار ما سيفعله المصرف من تدخل، وما سيتخذه من إجراءات؟ ليبرز التساؤل الآخر: وما الحكمة من التأخر الجديد في اعلان الإجراءات؟ ألا تستحق الليرة وأسعار صرفها الزائدة على الحدود المتوقعة، تدخلاً فورياً؟

لن نجزم أن المركزي، ومجلس النقد والتسليف، استنفدا فرص التدخل، ولن نؤكد أن من يُرد التدخل، فثمة وقت مناسب له كان لابد من استثماره، فمازال في الوقت بقية، لا لاتخاذ الإجراءات وفرض ما هو مطلوب، بل لمحاسبة كل من تلاعب، وتاجر بغير وجه حق، وحاول الاستفادة بشكل غير قانوني، وساهم في دفع أسعار الصرف صعوداً، وعلى رأسهم المتأخرون عن لملمة خيوط القضية، وتقديم حل بسيط يمكن للخبراء، والأكاديميين المختصين، أن يقدموه بجلسة واحدة، دون انتظار ما اصطلح على تسميته: (الأسبوع المقبل). الليرة في خطر، والبطء السلحفاتي في معالجة أسعار صرفها، وتذبذبها، لن ينفع، في وقت حتى الذكرى تصبح كما الحكمة التي غير مكانها، دون فائدة، ومحزنة جداً. فإلى متى ننتظر وعملتنا تتهاوى بأسعار صرفها، والوعود المتتالية تلفحنا، دون أن تقدم لنا ما ينفع؟ إن مجلس النقد والتسليف، هو سيد الانتظار بامتياز، رغم مسؤوليته عن أكثر الموضوعات الاقتصادية والنقدية حساسية، التي تتأثر بالأشياء البسيطة قبل الكبيرة، فأعتى النيران تأتي من  مستصغر الشرر، وهذا ما ينطبق على أسعار الصرف، التي تركت بلا تدخل مناسب، توقيتاً وإجراءات، لإغلاق الأبواب  في وجه من يعيثون بالعملة الوطنية وسعر صرفها، كما أن حاكم المركزي هو سيد الوعود.

العدد 1140 - 22/01/2025