التوجه نحو الأعلى..!

ثمة أشياء يقف المرء حيالها مكبل اليدين عاجزاً عن إيجاد طريق يسلكه كي يؤمن الوصول الآمن إلى لقمة العيش بأقل الخسائر. والمواطن المعتّر والمضروب بألف لكمة ولكمة على وجهه والذي لم يعد يتبين الاتجاهات الموصلة إلى آخر هذا النفق الذي يعيش فيه، بات في حيرة من أمره على مدى عقود من الزمن.

عقود من النهب المستمر والجوع والإفلاس والانتظار والمحسوبيات والترحّم على من سبق أن زار الدنيا الآخرة.. عقود ورقبة هذا المواطن ورقبة الذين خلّفوه بأيدي أناس امتهنوا الفساد والسرقة والتلاعب بمصائر العباد والبلاد، وهو يقف بانتظار أن يأتي الله بمن هو أفضل، أو أن يرى من نهب وسرق وتلاعب وقد علّق من رقبته كي يعتبر من سيأتي بعده. ولكن المشكلة أن الذي نهب نهب والذي هرب هرب، وكلما أتت أمة لعنت سابقتها.

المواطن الذي لم يعد يجد جنباً مريحاً كي ينام عليه بات يقضي ليله دون نوم، يردّد ما قالته السيدة أم كلثوم ذات يوم (أنا فاض فيي وملّيت)، ولأن المواطن في بلدنا هو أهم ثروة موجودة على وجه الأرض فإن صوته مسموع، ويجد على الفور من يسارع إلى نجدته وتلبية مطلبه فوراً (يبدو أنني سأبدأ بالهذيان ولهذا سأخرج من الحديث عن المواطن).

ومادمنا قررنا الخروج من الحديث عن أخينا المواطن الذي من كثرة الهموم على رأسه لم يعد يستوعب رأسه أيّ هم جديد، سنتحدث عن الحكومات المتعاقبة على تفريخ المشاكل والهموم التي أثقلت رأسه وجعلته يقضي ليله ونهاره وهو يترقب، ولسان حاله يقول في سرّه: اللهم نجنا من الأعظم!

ووقع الأعظم.. ووقع الذي حذّر منه كل ذي بصيرة، من أن التمادي في الفساد والإفساد سيجر البلاد والعباد إلى مالا تحمد عقباه، واستيقظنا على بحر من الدماء والدموع.. بحر من الفجائع اليومية المتنقلة.. بحر من الخراب لم يترك في طريقه شيئاً إلاّ جرفه..! وعاد المواطن للتعلق بحبال الهواء علّها تنجيه وتخرِجه مما هو فيه، وسمعنا عن لجان أزمة وفرق عمل أزمة وهيئات أزمة ومؤسسات أزمة وتجمعات أزمة وحكومات أزمة، وكلّها تسعى وتجتهد في سبيل تأمين مزيدٍ من الأزمات على رأس هذا المواطن البائس..!

وما إن تتحدث في كان ما عن همومك اليومية الكثيرة وعن صعوبة البقاء واقفاً في ظل مانشهده من فلتان أمني وتمويني واقتصادي وثقافي وأخلاقي وعلى جميع الأصعدة، كي لا يطول بنا المقام ونسقط في بحر التعدادات. فلا بد أن نعرّج على إنجازات الحكومة بقليل من الصبر والتجلّد.. الحكومة التي رأينا في ظلّها العجب وبتنا نصوم في رجب وغير رجب، لا رغبة في الإقلال من الذنوب بل رغبة في التخفيف عن جيوبنا التي لم تعد قادرة على تأمين أبسط الحاجيات اليومية.

حكومة الأزمة كما أسموها كانت بالفعل حكومة أزمة، أو لنعطها حقها التي تستحق ولنقل بأنها كانت حكومة أزمات بالجملة. فالمواطن في ظل هذه الحكومة انتقل من مطب إلى مطب، ومن جورة إلى أخرى، بدءاً بأزمة المازوت والغاز والبنزين، وصولاً إلى أزمة الخضار والفواكه والحبوب والخبز. وكل هذه الأزمات بسبب ارتفاع الدولار بشكل جنوني…!

لسنا الآن بصدد تعداد الخيبات والانكسارات التي وقفت بوجه المواطن المعتّر كالطود الكبير أو كالجبل الشامخ (أركّز على المواطن المعتّر لأن المواطن غير المعتّر لا يختلف الحال عليه في أي وقت من الأوقات فهذا المواطن دبّر أموره كما يقولون). ولكننا نقول بالفم الملآن:

إذا كانت الحكومات السابقة على مدى سنوات عديدة قد توجّهت غرباً، وراكمت ثروة من كان فيها أو من كان يمتّ بصلة لمن كان فيها، وجلبت علينا الوبال والفقر والتعتير وكرّست سياسة اقتصادية هزيلة أدت بها إلى ما أدت دون أي سؤال أو استفسار أو تحقيق، بل على العكس أصبح بعض من كان فيها كالدردري يشغل مناصب دولية ويبحث الآن عن كيفية الإعمار! وإذا كانت حكومة الأزمة الحالية قد قررت التوجه شرقاً، ونتيجة ذلك ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وقفز البنزين أضعافاً مضاعفة، وأسطوانة الغاز والكاز والنسيج وقطع التبديل وغيرها وغيرها، حتى لم يبق إلا رغيف الخبز بمنأى عن تلك القفزات الطويلة وفي بعض المناطق فقط، وكأن الإنسان يستطيع العيش على الخبز وحده!

التوجه غرباً جلب لنا الكوارث الاقتصادية والسياسية والنفسية، والتوجه شرقاً أدى في أقل من سنة إلى تضاعف الأسعار لأكثر من ثلاث مرات، إذاً في ظل توجهات ونتائج كهذه، هل بقي على المواطن المسكين إلاّ أن يتوجه إلى الأعلى ويبتهل إلى الله أن يحميه مما هو أعظم؟!. اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.. وللحديث بقية!

العدد 1140 - 22/01/2025