هل تطلق الحكومة رصاصة الرحمة على الدواجن..؟!
وافقت الحكومة السورية على استيراد مادة الفروج المجمد بطريقة المقايضة لكمية 200 إلى 500 طن من إيران عن طريق مؤسسة الدواجن، وكُلفت الأخيرة بإنزال الكميات المستوردة إلى الأسواق المحلية، سعياً لتوفير كميات أكبر من الفروج المجمد إلى الأسواق.
أتى ذلك بعد أن وافقت اللجنة الاقتصادية في وزارة الاقتصاد الأسبوع الماضي على استيراد 25 ألف طن من الفروج المجمد، على الرغم من تحذيرات وزارة الزراعة من أن استيراد الفروج سيؤدي إلى تعريض استثمارات ب 150 مليار ليرة و1 مليون مستفيد للخطر، إذ سيعمل القرار على تدمير ما بقي من قطاع الدواجن في سورية تدميراً شبه كامل، لخروج المنتج المحلي من العملية الإنتاجية نتيجة لعزوف قسم كبير وجديد من مربي الفروج والأمات عن التربية، الأمر الذي سيعيد هذا القطاع الحيوي أشواطاً إلى الوراء، بعد أن كانت سورية هي الثالثة عالمياً من حيث كمية إنتاج الفروج، والأولى عربياً من حيث التصدير، فمن غير المعقول أن نتحول بعد عقدين من الزمن إلى بلد مستورد!
ومن ناحية أخرى فإن دخول لحوم دواجن مجمدة، تدعم أسعارها الدول المصدرة وتباع بأسعار أقل من أسعار المنتج المحلي، سيحمله خسارة تجعله غير قادر على الاستمرار بالإنتاج في ظل ضعف القاعدة المادية لنمو القطاع، وبالتالي سوف تحول آلاف العائلات العاملة في قطاع الدواجن من حالة النشاط الاقتصادي الفاعل إلى حالة البطالة.
يُذكر أن هذه القرارات كانت خطوةً تسعى لتخفيف أسعار الفروج في الأسواق، فقد شهدت أسعار البيض والفروج مؤخراً ارتفاعاً كبيراً في أسعارها، إذ تجاوز سعر مبيع صحن البيض 350 ليرة، فيما بلغ سعر كيلو الفروج المنظف أكثر من 350 ليرة، بعدما كان لا يتجاوز سعره قبل الأزمة 100 ليرة.
أما سبب ارتفاع الأسعار الذي تشهده الأسواق فيعود، في جزء كبير منه، للسياسات الاقتصادية الجشعة التي همشت القطاع الزراعي في السنوات السابقة. فهذه ليست المرة الأولى التي نستورد فيها الفروج المجمد، فقد استوردت سورية نحو 100 طن خلال عام ،2009 و3000 طن عام ،2010 و500 طن عام ،2011 و4000 طن عام 2012.
فإذا كان الاستيراد قبل الأزمة أمراً مقبولاً من مهندسي الاقتصاد، على الرغم من وجود الإنتاج المحلي الكافي من الفروج في ذلك الحين، وعدم خروج آلاف من المربين كما هو حاصل الآن، وعلى الرغم من تصدير سورية في عام 2009 نحو 8809 أطنان من الدجاج المبرد والمجمد، و8294 طناً في عام 2010، و700 طن في 2011.
فبعد عقد من الزمن عمل النهج الاقتصادي المتبع على تهميش الزراعة وتقليص مساهمتها في الدخل الوطني، لتأتي الأزمة وتزيد الأوضاع المأسوية التي يعانيها أصحاب المداجن، مع ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج (المواد العلفية، المحروقات، النقل، العمالة،اللقاحات..إلخ)، إذ بات أصحاب المداجن يشترون المحروقات من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، إضافة إلى الصعوبات التي تواجه عملية النقل وارتفاع أسعارها في ظل انعدام الأمن، إذ تعرض الكثير من سيارات نقل البضائع للنهب الذي قام به اللصوص المنتشرون في مختلف المناطق، ناهيك بالمعاناة في توفير العلف وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار الصرف نتيجة العقوبات الاقتصادية التي فرضها المعسكر الغربي ومشايخ الخليج وتركيا والولايات المتحدة.
أضف إلى كل ذلك أثر الصراع المسلح على الطيور، إذ أدى إلى نفوق أعداد كبيرة خاصة في الأماكن غير المستقرة بسبب أصوات قذاف المدافع والانفجارات، إذتتجمع الطيور فوق بعضها عند خوفها ما يؤدي إلى موتها اختناقاً.
كل ذلك أدى إلى خروج عدد كبير من المربين من حلقات الإنتاج بفعل الخسائر التي تعرضوا لها، على الرغم من ارتفاع أسعار المنتجات في الأسواق السورية. إلا أن هذا الارتفاع لم يغطِّ جزءاً من الخسائر بسبب تضاعف تكاليف مستلزمات الإنتاج وغياب الدعم الحكومي للقطاع وترتيب ضرائب متعددة عليه. كما تشير تقارير اقتصادية إلى تضرر ما يقارب 60% من منشآت إنتاج الفروج، المتوزعة في القلمون ودرعا وإدلب وريف حمص وحماة، بفعل الأزمة التي تعيشها سورية منذ خمسة وعشرين شهراً، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج والعرض من مادة الفروج.
إن الوضع السيئ لقطاع الدواجن لم يكن تأثيره مقتصراً على العاملين في هذا القطاع الذي يشمل نحو 5-6% من سكان القطر، بل انعكس أيضاً على المواطن بشكل مباشر، نتيجة تداعيات الأسباب السابقة على الأسواق المحلية لاسيما لجهة نقص الكميات المطروحة من الفروج، ما أدى لارتفاع أسعار البيض والفروج، وكذلك غيابه عن موائد عائلات كثيرة بسبب انخفاض القدرة الشرائية للمواطن السوري وسط أسواق لا تعرف أسعارها إلا طريق الجنون والانفلات العقلاني.
واللاعقلاني هنا نتساءل مع الكثيرين: إذا كانت أسعار الفروج في العالم مرتفعة، إضافة إلى ارتفاع أسعار الصرف محلياً فكيف ستؤمن الوزارة المادة إلى السوق بأسعار تكون في متناول الجميع، إلا إذا كان ذلك على حساب النوع، فهل ترانا نعيد تجربة استيراد اللحوم الحمراء والأسماك التي أغرقت الأسواق وباتت تباع على البسطات ولكن المواطنين لم يتقبلوا شراءها!
فعلى الحكومة تقديم الدعم اللازم للمربين لتلبية حاجة السوق من الفروج والبيض المحلي، نظراً لدور قطاع الدواجن في الاقتصاد السوري، وفي توفير احتياجات المواطنين من اللحم، مع الاستمرار بتمويل المستوردات من الأعلاف وتقديم قروض ميسرة من دون فوائد للمربين. فالحل ليس بإغراق السوق بالفروج المجمد المستورد، لأن مثل هذه الخطوة ستراكم أزمة العاطلين عن العمل.