ما يسمى «رفع الدعم» وإعادته للواجهة في ظل الظروف القاهرة

في البدء لا بد لنا من القول إن الظروف الاستثنائية تقتضي سياسات علاجية آنية تناسب هذه الظروف، ولو اضطر متخذ القرار لمخالفة القوانين الاقتصادية أو الاجتماعية. كذلك من الجهل التفكير بوضع الخطط والاستراتيجيات المستقبلية في ظل ظروف استثنائية أو كارثية، لأنه سيجري تمرير هذه الاستراتيجيات وسط انشغال الناس بالدم والدمار، التي من العار التضحية بها من دون مقابل أو تجاهلها، خاصة أن أهم الأسباب التي ساهمت وأججت ما نحن  عليه ثنائية الفساد والإفساد، والخلل البنيوي الناجم عن فرض بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت معارضة المؤسسات والخبراء والأكاديميين القوية. ورغم التراجع عن بعضها، كسعر المازوت وغيره إلا أن هناك من أعادها وبشكل أكبر وبتوقيت مخيف لا يرحم، فأدت إلى تضخم كبير وارتفاع مستوى الأسعار وضعف الليرة السورية وزيادة الفقر والبطالة، وسط استياء كبير ممن يهمه هذا البلد وشعبه.

 وفي هذا الوقت تعاد دراسة موضوع ما يسمى رفع الدعم، فحتى الآن لم يصل المسؤولون إلى صيغة تشخص الدعم. فمثلاً بالنسبة إلى المحروقات: هل هو الفرق بين ما تشتريه الدولة وما تبيعه للمواطن حسب الأسعار العالمية، أم هو حسب سعر التكلفة المحلية؟ إذ هناك فرق كبير بينهما. والمهم أن هناك من عاد إلى طرح هذا الموضوع في ظل هذه الظروف، مستنداً إلى فكرة طالما أخفقت في الماضي، وهي إيصال الدعم إلى مستحقيه، رغم أن الظروف الحالية جعلت أغلب الشعب السوري يستحقه. ورغم الفشل الكبير في الماضي للوصول إلى البيانات التي تدل بدقة على الأشخاص الذين يستحقونه. فكيف الآن وسط ملايين النازحين والمهجرين في الداخل والخارج، ووسط صعوبة النقل والانتقال، ووسط تزايد مريع لمستويي الفقر والبطالة، ووسط مؤشرات اقتصادية سيئة ساهم فيها من يتبنى هذه الخطط من حيث التستر بالأزمة لتبرير إضعاف كبير لليرة وسط فعل سلبي لوضع حد لهذا الإضعاف الذي يكافئ الفاسدين ومن حول أمواله إلى الدولار، ويعاقب الوطني الذي لم يقبل ذلك، ووسط غلاء أسعار مترافق بتغاضي وزارة حماية المستهلكين. وبالتالي الظروف الحالية لا تناسب هذا الطرح والمستقبلية لن تناسبه، وخاصة أن هذا الطرح هو تنفيذ لأجندة مؤتمر واشنطن والمصرف الدولي لسحب يد الدولة وخصخصة القطاع العام المخسر منذ سنوات. كما انهال حملة السلاح على تدميره وذلك كرصاصة رحمة لقتله والاستعاضة عنه بما يخدم أصحاب الرساميل.

 وهنا يقرر البعض أنه لا يمكن إعادة البناء من دون قروض من هذه المؤسسات التي هذه شروطها. وحتى هذه الرؤية تبريرية، والوقت غير مناسب لطرحها. لأن تكامل الاقتصاد السوري وأموال المغتربين والرساميل الوطنية سيكون لها دور إنقاذي إن أعطيت.

ولتمرير هذه الرؤية الضبابية المدمرة لسورية وشعبها والتي تضع المسمار الأخير في نعش سورية وشعبها، لجؤوا إلى التضليل السابق الذي مارسه الدردري وفريقه الاقتصادي، وهو التضليل الرقمي، وسط وضع أرقام تسر القارئ ولكنها لا تمر على العارف. لأن الكل وجد تأثير رفع أقل للمازوت على سورية في زمن قوة الاقتصاد ووجود الأمن، وكيف دمرت جزئياً الزراعة وارتفع أسعار البناء وخفت السياحة وزاد الفقر وزادت البطالة. فكيف وسط هذه الظروف الصعبة وما يتأمله الشعب والدولة من الزراعة والسياحة والصناعة لإعادة  سورية واقتصادها إلى الوضع الصحيح القوي؟

إن طرح هذا الموضوع في هذا التوقيت ووسط هذه الظروف ووسط سوء إدارة السياسات المالية والنقدية والاقتصادية، هو تمرير له في الوقت الضائع، متناسين الظروف القاهرة ومتناسين آلام الشعب والبلد استمراراً لسياسة اللبرلة أو ما يفوقها سوءاً، وهو وضع المسمار الأخير في نعش الدولة السورية وتدمير الشعب السوري. ولا يمكن لعاقل أو شخص ينتمي إلى هذا الوطن أن يطرحه.

العدد 1140 - 22/01/2025