الدور السياسي والاجتماعي للصحافة الساخرة
التذكير بالصحف الساخرة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، يثير تساؤلات عدة، منها: لماذا غابت الصحافة الساخرة من المطابع والأكشاك العربية في القرن الحادي والعشرين، وكانت في عهد الاستعمار العثماني والإنكليزي والفرنسي لسان حال السياسيين والكتاب الساخرين؟
ولدت الصحافة الساخرة في مصر أولاً، ثم انتشرت في الأقطار العربية، خاصة في بلاد الشام. وتميزت بالنقد اللاذع الذي أبدعه يعقوب صنّوع في مجلته (أبو نظارة) كلاماً ورسماً. وبدأت الصحافة العربية في تونس تتأثر بالصحافة المصرية، ودخلت ميدان الفكاهة مستعينة باللغة الدارجة. وفي سورية ولدت الصحافة الساخرة بعد الانقلاب الدستوري العثماني عام 1908 تلتها صحف ساخرة في الأردن والمملكة المغربية والجزائر وفلسطين.
وتعد صحيفة (الحمارة) في دمشق من أهم الصحف الساخرة التي صدرت في بلاد الشام في زمن السلطنة العثمانية. وهي صحيفة هزلية أدبية فكاهية انتقادية مصورة لصاحبها، محمد نجيب جانا (1878 – 1941 )، صدرت في بيروت. وأصدر أيضاً عدة صحف في القاهرة ودمشق، سخرها لحملات متتالية ضد العثمانيين والاحتلال الإنكليزي والفرنسي. وكذلك وجّهها ضد المواقف السلبية للحكومات الوطنية أيام الاحتلال. وتعرضت هذه الصحف للمصادرة والإغلاق عدة مرات، كما تعرض نجيب جانا للنفي والاعتقال والسجن. وأدى صدور مجلة ساخرة باسم (الفوضى) عام 1899 إلى أن صدر فرمان من السلطات العثمانية، بنفي (جانا) إلى الهند لمدة مئة سنة وسنة، لكنه وبعد ثماني سنوات صدر عفو، فعاد وأسس في بيروت عام 1910 صحيفة هزلية سياسية أدبية فكاهية انتقادية باسم (الحمارة). وكان اسمها يتغير حسب الوضع السياسي من (الحمارة) إلى (حمارة بلدنا) في 4 تشرين الثاني عام 1910. وصحيفة (البغلة) في 4 تموز عام 1913. و(حمارة الجبل) في 18 آب عام 1913. وانتقلت هذه الصحيفة إلى دمشق عام 1919. وكانت تصدر مرتين في الأسبوع بصورة مؤقتة في أربع صفحات.
ومن الصحف الساخرة المشهورة التي صدرت على امتداد عقود (المضحك المبكي) لصاحبها ورئيسها حبيب كحالة، التي توقفت عام 1966 وصدرت صحيفة (حُط بالخرج) لصاحبها محمد عارف الهبل في 3 نيسان عام 1909 لكنها تعرضت للتعطيل في عامها الأول، لأنها أخذت توجه سهام الانتقادات للإدارة العثمانية. وفي إحدى الافتتاحيات في مقال بعنوان (أين الدستور) اتهمت هذه الإدارة بوأد الحريات. وتناولت ( قومندان الجندرمة) بالطعن والتجريح، لأنه ضرب بعض السكان بالكرباج أمام الجانب في منطقة المزة.
ازدهرت الصحافة الساخرة في القرن التاسع عشر خاصة في مصر. وكان على رأسها صحيفة (مسليات ومضحكات) التي أسسها يعقوب صنوع عام 1877 وهي صحيفة أسبوعية أدبية علمية، اشتهرت بالمحاورات والنوادر اللطيفة والمقالات الفريدة والقصائد العجيبة.
وهناك صحف أخرى مشهورة أسسها عبدالله النديم، منها صحيفة (التنكيت والتبكيت) الصادرة عام 1881 و(الأستاذ) عام 1892 و(حمارة منيتي) عام 1900 ومؤسسها محمد توفيق. ومن أبرز الصحف التي هاجمت سعد زغلول، وانتقدت سياسة حزب الوفد بالصور الكاريكاتورية صحيفة (الكشكول)، التي اهتمت أيضاً بالفكاهة السياسية. وكان الخديوي إسماعيل يسمح بدرجة كبيرة من الحرية مقارنة بالحكام السابقين، لأنه أراد أن يقدم مصر نموذجاً أو قطعة من أوربا، وأن يظهر للعالم أنه حاكم مستنير. وظهرت صحيفة (أبو نظارة) الساخرة التي دفعت المصريين للسخط على أوضاع الحكم السائدة، وفضح أعمال الاحتلال. ولكن بعد ثورة تموز 1952 أممت الحكومة الصحافة وسيطرت الدولة عليها، ثم عَسْكَرت الصحافة والمجتمع معها.
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى الصحافة الساخرة الجادة المحملة بالفكاهة والسخرية، التي تهتم بشؤون المواطنين، وتراقب الحكومة وما يجري وراء الكواليس، والتي من أولى مهامها فضح الفساد والفاسدين والمطالبة بحقوق الناس ومراقبة الأسواق، والاهتمام بالواقع المعيشي والسياسي، وكشف زيف الظلاميين وسواد أفكارهم، وإنهاض الفكر المستنير والمتنورين وإضاءة سورية ومستقبلها بالعلمانية والتعددية والديمقراطية.