تخلٍّ عن الدعم الاجتماعي قرارات الحكومة غير الشعبية
قطعت الحكومة نصف الطريق، واجتازت الخطوة الأولى، الأكثر خطورة، والأصعب، في علم المشي، وضربت عرض الحائط برغبات وطموحات مواطنيها، واتخذت قرارين ضمن سلسلة قرارات ستصدر لاحقاً حتماً: الأول رفع سعر طن الفيول، والثاني رفع سعر ليتر البنزين. أما المنتظر في هذا الإطار فيمكن اختزاله بما تضمنته مذكرة هيئة التخطيط والتعاون الدولي، التي اقترحت أيضاً رفع أسعار السكر والرز التموينيين، إضافة إلى الغاز والكهرباء والمازوت، وبذلك تكون الحكومة تخلت عما بقي من دعم لهذه المواد الأساسية، وغيرت وجهة الاقتصاد الوطني، ولم تنظر إلى مدى صوابية مثل هذه القرارات من عدمه، وتوقيتها، ومدى انعكاسها على الحياة اليومية؟
وما اتخذته الحكومة يثير التساؤل حول طرق اتخاذ القرار، والمرجعيات الرسمية التي ناقشت وقررت المضي قدماً في اتخاذ قرارات غير شعبية، بالمطلق، سترخي بظلالها، وانعكاساتها الهائلة على حيوات المواطنين! لكن الحكومة، كما تعاملت مع القضية، أظهرت مقدرة لايمكن نكرانها، في مجال تجاهلها للمطالبات بعدم الإقدام على خطوة خطرة كهذه، من جهة، والبدء بالقطاعات الأقل تضرراً، من جهة ثانية. وتبين الإحصاءات الرسمية أن 90% من الفيول يُستخدم في إنتاج الطاقة الكهربائية، وما بقي يستخدم في الصناعة، وهذه الأخيرة تعاني اليوم مشكلات أقلها رفع سعر الفيول. فهناك توقف الكثير من المنشآت، فضلاً عن سرقة وتدمير ونهب بعض المنشآت الأخرى العامة والخاصة. وبهذه الحالة يصبح رفع سعر الفيول أمراً عرضياً وثانوياً، أمام التحديات الهائلة الأخرى التي تعرقل إقلاع قاطرة النمو، واستمراريتها بالعمل. كما أن رفع سعر ليتر البنزين من 65 إلى 80 ليرة، دافعت عنه بعض الأوساط الرسمية، بأن هذه المادة يستهلكها الأغنياء، وقوداً لسياراتهم الفارهة، في تجاهل مقصود، لدخول هذه المادة في حسابات كلف إنتاج بعض المواد، لاسيما كلفة النقل، كما أنه من البساطة رمي التبرير إلى ملعب الأغنياء، فهناك كثيرون جداً يستخدمون البنزين بأشكال مختلفة، والأمر غير مقتصر على الأغنياء والميسورين اقتصادياً.
التخوف الكبير، والقلق الذي يستحكم قلوب الجميع، يتمثل بالقادم من القرارات، التي لابد أن الحكومة عازمة ومصرة على اتخاذها، غير عابئة بما يعانيه المواطنون، من حياة معيشية قاسية جداً، وظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية بالغة التعقيد والقسوة، وما أَرْخته تداعيات الأزمة المستمرة منذ 26 شهراً متواصلة عليهم. فالواقع المعيشي لايتناسب، وغير مهيأ، إطلاقاً، مع إمكان اتخاذ قرارات ستؤدي حتماً، إلى زيادة أعبائه. وستسهم في نقله من حالة التردي إلى حالة التدهور الكبير، وسينضم نتيجة هذه القرارات المرتقبة ملايين جديدة إلى جحافل الفقراء الحقيقيين، بسبب التكاليف الباهظة التي لاطاقة لهم باحتمالها، وأوضاعهم المالية غير قادرة على الايفاء بمتطلبات الحياة الكريمة. هذه ستكون نتيجة حتمية لتوجهات الحكومة، وقراراتها الاقتصادية غير الصائبة، وسياساتها في المجال الاقتصادي، التي ماتزال استمراراً لنهج وسياسات سابقة، تحابي الأغنياء على حساب الفقراء، ولاتقف إلى جانب الضعفاء اقتصادياً وذوي الدخول المنخفضة والمحدودة، بل تساند أصحاب الثروات والأملاك، الذين لا يضيرهم ولايؤثر على مستوى إنفاقهم ومعيشتهم قرارات كهذه.
عندما أعلنت الحكومة الحالية موازنتها للعام الجاري، كانت تتفاخر بحجم الإنفاق على الدعم، الذي تجاوز 500 مليار ليرة، وعدَّته من واجباتها وفي إطار مسؤوليتها الاجتماعية تجاه مواطنيها، وبدأت الآن بوادر ضجرها وتململها من هذا العبء، الذي شكل على مدى عقود، أهم سمات الاقتصاد الوطني، وعزز إمكان ردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وبحكم المؤكد ستقطع الحكومة صلتها بهذا النهج، عبر ما بقي من قراراتها المرتقبة. كما أن وعودها، والطمأنات التي تغذي بها مشاعر المواطنين، والمتعلقة بالتعويضات، لن تكون ذات فاعلية في هذا التوقيت الذي لايمكن فيه معرفة أصحاب الحق في الحصول على التعويضات، من غيرهم الذين لن تؤثر هذه القرارات على دخولهم وحالتهم المعيشية. وتجربة عامي 2008 و 2009 فيما يتعلق بقسائم المازوت والتعويضات النقدية، وما أفرزتهما من مشكلات تثيران القلق والتخوف في آن، لجهة المشكلات التي ظهرت والتداعيات التي انعكست على المواطنين، فكيف وحالنا الآن، إذ لا يمكن للحكومة التحرك بسهولة للوصول إلى المستحقين؟
ليس من المرغوب اطلاقاً إحداث شروخ طبقية جديدة، أو خلق مشكلات تتعلق بالفساد وغيره، أو تقسيم الناس إلى مستحقين وغير مستحقين، وتحويلهم إلى متسولين على أبواب الحكومة، إلا أن بوصلة الحكومة اتجهت نحو التخلي عن الدعم، حتى ولو كانت النتائج كارثية.