الحكومة تتودد للفعاليات الاقتصادية وتدخلها لمصلحة الضعفاء اقتصادياً خجول
يعبر المشهد الاقتصادي السوري حالياً عن حجم المأزق الحكومي، والتخبط على الصعيد السياساتي، وغياب الرؤية الاقتصادية المرحلية، العاجزة عن سد الفجوة المتسعة يومياً، في مختلف ميادين الاقتصاد. أسعار منفلتة من عقالها، أسواق غير منضبطة، يمكن وصفها بأنها (أسواق كل مين أيدو إلو). فرص عمل معدومة، بطالة متفاقمة بكل أصنافها وأشكالها، خسارة هائلة نتيجة التذبذب الحاد في أسعار الصرف، والعجز الحكومي الواضح لضبطه، وغيرها من سلسلة الخسائر الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد والمواطنين على حد سواء. ومع هذا، تبدي بعض الجهات الحكومية خجلها الشديد من الإجراءات التي تتخذها على صعيد الأسعار وضبط الأسواق، ولاسيما هيئة التخطيط والتعاون الدولي، التي تمارس دوراً نشطاً هذه الفترة. فالوعود التي قطعها رئيسها همام جزائري، أمام الفعاليات الاقتصادية في غرفة تجارة دمشق، بأن (ما يتخذ من إجراءات هو مؤقت)، يكشف حجم الكارثة الكبرى التي تنتظر المواطن، عقب انتهاء الأزمة، والتي يمكن اختزالها بالعودة إلى الأسباب ذاتها التي عزت جزءاً من أسباب الأزمة في سورية إلى الجانب الاقتصادي، وعمق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والتركة الكبيرة التي خلفها الفريق الاقتصادي السابق، والحكومات المتعاقبة.
لكن الحكومة التي أعدت مؤخراً تعديلاً لقانون التموين، ينتظر صدوره قريباً، تأخرت كثيراً في اتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة في مجال تأمين السلع والمواد الاستهلاكية. وتركت المواطن عرضة للنهب والاستغلال الذي مارسه عدد لايستهان به من تجار الأزمات، ومستغلي الظروف. وتركت هؤلاء يمارسون أقصى وأبشع حالات الاستغلال والاحتكار، ضاربين عرض الحائط بالأنظمة والقوانين النافذة من جهة، وبكل قيم وأخلاق المهنة من جهة ثانية، وبالعقد الاجتماعي الموجود والقائم أساساً على المواطنة و التعاضد والتكافل والقيم المجتمعية النبيلة من جهة ثالثة. وإذ توجه الانتقادات للحكومة على دورها المتراجع والبطيء، فإن الغفلة الحكومية أو التراخي الزائد عن اللزوم، أدى إلى إشاعة حالة جديدة من الفوضى الاقتصادية، لا تقل خطراً عن الفوضى الناجمة بشقيها السياسي والعسكري عن الأزمة في سورية، عقب سنتين ونصف السنة من عمرها المتواصل. أظهرت فيها الأجهزة الرقابية التموينية المعنية بحماية المستهلك، حالة من اللامبالاة الشديدة، وسجلت ضعفاً واضحاً في الأداء، وتركت السوق عرضة للمحتكرين والمستغِلين، فوقعت الطامة الكبرى برأس المستهلك الذي واجه هذه الحالة المتردية بجرأة يُحسد عليها، معتمداً أسلوب المقاطعة الاقتصادية للسلع التي باتت مقاطعتها لابد منها. فشل الحكومة في معالجة الملف الاقتصادي ليس جديداً، فالاقتصاد الوطني يعاني منذ عقود مشكلات جوهرية، ويتعرض لسياسات تنموية قاصرة وفاشلة، عالجت المريض بأسلوب (الكي) للتخلص من المريض، نظراً لارتفاع فاتورة الإصلاح والسياسات الاقتصادية اللازمة للحد من التدهور الواضح آنذاك في أحوال الناس المعيشية، والتراجع الحاد عن دور الدولة الداعم للفقراء والضعفاء اقتصادياً، الذين يشكلون الغالبية العظمى من أفراد الشعب السوري. فعندما تأتي السياسات محابية لفئات معينة، وطبقات محددة، لا تشكل سوى النسبة الأقل من بين مكونات وفئات الشعب، فستكون النتائج مخيبة للآمال، لأن الخطط وضعت للقلة، وتركت الأكثرية تعاني الغرق، وتواجه الخطأ بالصمت المفروض.
ومؤخراً، قدمت الحكومة حزمة جزئية من الدعم للمواد الغذائية، وعلى أهمية هذه الحزمة، مازالت بحاجة إلى مزيد من هذه الحزم، والإجراءات، التي وحدها كفيلة بالحد من الضغوط المتزايدة على الحياة المعيشية، وقادرة على ضبط الأسواق، ومد يد العون بشرف وأخلاق وكرامة للضعفاء اقتصادياً. وبلاشك لم يعجب هذا كثيرين، وشككوا بجدوى هذه الإجراءات، بل إن المتاجرة في هذا المجال شهدتها أسواق دمشق في مجمع الأمويين الاستهلاكي إذ اشترت أسر كثيرة مواد غذائية ومنظفات وغيرها من المواد الأساسية، بأسعار تدخلية. وشوهدت هذه الأسر عينها، تفترش الأرصفة وتبيع هذه المواد بأسعار السوق. وهذا لايعني أن التجربة فاشلة، لأن الممارسات الخاطئة، لم تعكس النتائج الإيجابية لهذا التدخل الحقيقي.
ماذا يضير الحكومة عندما توجه التهم للفعاليات الاقتصادية المتواطئة على قوت المواطن مع مجموعة لايستهان بها من المسؤولين؟
ها هو ذا السؤال الذي يبحث المواطن عن إجابة له، وقد فضّل البقاء في وطنه، رغم الحصار الاقتصادي المفروض، والحالة التي تزداد تعقيداً، والخطر المحيط به من الجهات الأربع. وللأسف لا يجد من يجيبه عنه، ويشفي بعضاً من رغبته في معرفة ما يجري على الساحة الاقتصادية، ولماذا تُظهر الحكومة كل هذا التودد للفعاليات الاقتصادية؟ التي يؤكد رؤساء اتحاداتها وغرفها، أن المحاسبة مطلوبة، بقدر التسهيلات المقدمة، وأن وضع الجميع بسلة واحدة خطأ لايقل خطورة عن قياس الجميع أيضاً بالمسطرة ذاتها.
الحكومة التي لا تتدخل لمصلحة مواطنيها، هي حكماً تقف ضدهم، وحتماً لا تلبي مصالحهم، وبالتأكيد هي لا تعبر عن تطلعاتهم. وعلى حكومتنا الحالية، أن تقيّم إجراءاتها، وقراراتها، بناء على هذه القاعدة الذهبية.