الدولار بانحدار والأسعار مثل لهيب النار!
بعد وصول مستوى الارتفاع المستمر للأسعار المترافق بمستوى هبوط قيمة الليرة أمام الدولار إلى مراحل إرهابية ومثبطة للهمة ومحبطة للأكثرية وموجعة للقمة العيش لدى أغلب الشعب.. على نحو سوَّد الأفق أمام المواطن، ونسي اللاعبون والعابثون الإنسانية والوطن، أمام كسب الليرات ولو وصلت الأحجام إلى مليارات، كل حسب حجمه ودوره عبر عصابات منظمة مدعومة، هدفها النيل من سورية الجسد ومن شعبها، لقتل سورية اقتصادياً بعد الفشل في التفتيت أو حرف الصراع ليأخذ المنحى الطائفي، الأمر الذي فرض التدخل القوي من الدولة تجاه الدولار وتجاه من يلعب هذه اللعبة من أدوات ظاهرة مضاربة أو من يحميهم بالخفاء.
فقد كان التشخيص أن ما يحصل هو اللعب على الوتر النفسي بعيداً عن القوانين الاقتصادية من عرض وطلب، وبالتالي أخذت الإجراءات مفعولها، وأعادت الليرة السورية جزءاً من قيمتها الضائعة نتيجة المضاربات القذرة التي قام بها بعض الفاسدين المأجورين.. بحيث عادت الليرة إلى حدود 170 ل.س مقابل الدولار، بعد أن وصل إلى مرحلة 325 ل.س وأكثر. وكان العلاج أبعد ما يكون عن إجراءات تقنية كضخ العملة وغيرها، وإنما بواسطة الضغط ومحاصرة الأدوات التي تلعب على وتر فرض السعر بعد احتكار الدولارات بعملية متواصلة وبأدوات دقيقة ومبرمجة..
ولكن المفاجئ كان عدم ترافق هبوط سعر الدولار بهبوط الأسعار التي كانت ملازمة لارتفاع الدولار بالساعات وليس بالأيام، وهذا ما وضع الكثير من إشارات الاستفهام. على الرغم من حزمة الإجراءات التي أعلنت عنها الحكومة وخاصة للمواد الأساسية: الزيت، السمنة، الرز، البرغل الشاي، البيض، اللبن، الحليب.. وهذا ما جعل أغلب المواطنين يطلبون من الدولة الضرب بيد من حديد لهؤلاء التجار الذين تلاعبوا بغذاء الشعب وأوصلوه إلى مرحلة المجاعة برفع الأسعار إلى مستويات مخيفة. علماً أن الكثير من معروض السلع كان مخزّناً ومشترىً بأسعار مخفضة للدولار، وجزء كبير منها إنتاج محلي. ولكن التقاعس بالإجراءات والتغاضي عن طريقة رفع الأسعار سواء، كتقصير أو إهمال أو لا مبالاة أو غض طرف عما يجري، جعل التجار بلا ضوابط أو قيود وجعل جشعهم بلا حدود، بحيث لعبوا كذلك لعبة الاحتكار لفرض الأسعار عن طريق توزيع أدواتهم لشراء أكبر الكميات واللعب بتوقيت بيعها وبسعر البيع حسب ما يفرضون. وهو ما حصل كذلك بالخضار والفواكه وبالألبان ومشتقاتها، وبالتالي ما زال المواطن ينتظر أن تعود الأسعار إلى الوضع العادل الذي يجعل أغلبية المواطنين قادرين على شراء متطلباتهم الأساسية اللازمة للعيش لا للرفاهية.
إن ما نريده الآن هو العنب وليس قتل الناطور، وهذا يكون عبر استمرار القرارات الإدارية التي تجعل الدولة قادرة على التحكم بالعرض بما يساوي الطلب أو يفيض عنه من جهة، والضرب بيد من حديد لمن يبتز الشعب بلقمة عيشه في هذه الظروف. ويكون ذلك بأن تقوم الحكومة بالتسعير الإداري لهذه المواد مرحلياً، وتوسيع قائمة السلع التي يشملها التسعير مستقبلياً، ومتابعة تنفيذ هذه التسعيرة عبر الأدوات التنفيذية والرقابية، وفرض العقوبات الرادعة لكل مخالف. وكذلك استمرار التدخل الإيجابي بعرض كميات فائضة لهذه المواد عبر مؤسسات الدولة التي نجحت بهذه المهمة في فترات سابقة، مع الاعتماد على الأسعار العادلة وتحريكها باستمرار، مع عودة الليرة لقوتها. وكذلك يجب توزيع هذه المواد عبر البطاقات التموينية وبأسعار مدعومة، لا كما هي بالسوق الآن، وذلك لحصر المحتكرين والتجار وتمكين الفقراء من اقتنائها.
فسؤالنا: ماذا يستفيد المواطن من بيعها له بأسعار توازي السوق أو لا تتناسب مع سعر الليرة الحالي؟ وكذلك يجب حصر الاستيراد لما يخص هذه المؤسسات الحكومية بالدولة، لا أن تشترى الحكومة هذه السلع عبر مناقصات من القطاع الخاص الذي يتحكم بها ويلعب بالفواتير والبوالص ويبيعها للدولة بأسعار فلكية تسمح له بفرض أسعاره على ما يستورده لصالحه. وبالتالي المطلوب زيادة المعروض من هذه السلع بأسعار التكلفة زائد هامش ربح قليل، مع المتابعة المستمرة للالتزام بالأسعار الإدارية التي تفرضها الدولة، ودعم هذه المواد للمواطنين عبر البطاقات التموينية، وحصر الاستيراد لما يخص مؤسسات الدولة بالدولة. والضرب بيد من حديد لكل من يخالف الأنظمة والقوانين أو من يحتكر هذه المواد، وإعادة تفعيل مؤسسة التجارة الخارجية لعودة الدولة للتحكم بخيوط الاقتصاد تدريجياً لرسم السياسات المستقبلية اللازمة لما بعد الأزمة، مع إعادة طرح إصلاح القطاع العام بعدما ثبت الهدف من تخسيره وقتله، والعمل على إعادة الحياة إلى مؤسساته، وخاصة الصناعات الغذائية والتحويلية مرحلياً، بعدما ثبت مقدار الحاجة إليها، وخاصة في ظروف كهذه الظروف، وبعدما ثبت أن القطاع الخاص لا يهمه سوى الربح، وأن رأسماله جبان لا يؤمن بالأوطان، فيهرب بعد أي حادث، أو يضارب ولو على حساب الوطن والمواطن. ويجب أن لا ننسى أن الدولة تمر في ظروف استثنائية، وفي الظروف الاستثنائية يجب أن تصدر قرارات استثنائية تناسب التقارير التي يجب أن تكون بمتناول المسؤولين يومياً، وتحمي المواطن وتحاسب وتردع كل من يحاول أن يلعب بقوت الشعب، والضرب بيد من حديد لهؤلاء الذين يمارسون إرهاباً اقتصادياً يوازي الإرهاب الفكري أو الإرهاب المسلح، ومعرفة الأسباب التي جعلت البعض يتقاعس عن اتخاذ هذه الإجراءات في وقتها المناسب، مما أزم الموضوع وأوصله إلى هذه الدرجة من الخطورة والانعكاسات السلبية على حياة المواطن والوطن.