هدوء مؤقت رهينة استمرار التدخل.. فوضى سوق الصرف نية مبيتة للمركزي أم تواطؤ؟

لا مبرر، أو تفسير، لما جرى في سوق الصرف الأسبوع الماضي، هبوط حاد وكبير في سعر صرف الليرة، لا يقل خطورة عن التصاعد المماثل، حبس الأنفاس، إذ تراجع سعر صرف الليرة من 230 أمام الدولار إلى 185 ليرة، وكان قبل أسبوع وصل إلى 330 ليرة، استناداً إلى التدخل الذي قام به مصرف سورية المركزي، ببيع القطع الأجنبي لشركات الصرافة. شيء ما، يضع العقل في الكف، مفاده أن تنتظر السلطة النقدية، أسابيع، وتترك سعر الصرف يتجاوز الحدود المعقولة ارتفاعاً، وفي لحظة بعينها، غير متوقعة، ومنفلتة من كل الحسابات، وعلى نحو يوحي أن هناك من يرغب في إلحاق خسائر فادحة بكل الذين يتلاعبون بسعر الصرف، وقيمة الليرة، ويمارسون المزيد من الضغوط عليها، لحظة ليست خارجة من التاريخ، يتدخل فيها المركزي، فتستعيد الليرة شيئاً من توازنها، وقيمتها، ويعود الحال إلى نقطة قريبة من بعض تمنياتنا، وتتراجع أسعار الصرف إلى مادون 200 ليرة، وسط تأكيدات مسؤولين نقديين أن عملية التدخل ستستمر، حتى يستقر سعر الصرف على مادون 150 ليرة.

المفاجأة التي فعلها المركزي، الأسبوع المنصرم، في توقيتها، ومدى قوتها، تستحق التوقف عندها، والتساؤل عن أسباب تأخره في التدخل، وامتناع الجهات المعنية بمتابعة السوق السوداء عن ممارسة دورها في الحد من نشاط المضاربين؟ هذا السؤال لم يجب عليه أحد، وبرغم طرحه على أكثر من مستوى، فإن إلحاق الخسائر بصغار المودعين، والمتخوفين من أوضاع سعر الصرف، يمكن وصفه بأنه كان نية مبيتة من المركزي، لأنه في كل أسواق الدنيا، ينجو كبار المضاربين والمتلاعبين، ويقع في الفخ والشرك صغارهم. فسوق الصرف التي بدت لأسابيع منفلتة، بغياب الضوابط، وبضعف أدوات التدخل، استعادت عافيتها المؤقتة، وستبقى رهينة التدخل المستمر للمركزي، ومدى قدرته  أي المركزي  على الحد من نشاط المضاربين، وتكبيل حرية المتلاعبين بهذا السوق، إضافة إلى حجم السيولة من القطع الأجنبي التي يمكنه أن يحافظ عبرها على سعر صرف غير متذبذب، وإلى متى تسمح له احتياطياته بأن يبقى اللاعب الأبرز والأقوى، والقادر على التحكم؟

بالتأكيد، كانت مفاجأة المركزي من العيار الثقيل، وردت الصاع صاعين لكل من سمح لنفسه بأن يسرق من الليرة قوتها ومتانتها، ويزعزع استقرارها، ويهدد سعر الصرف بمزيد من الارتفاع غير المعقول. وبالتوازي أشاع رد فعل المصرف المركزي المنتظر منذ أشهر، الارتياح في الأوساط الشعبية، التي كادت تفقد بوابة الأمل المتبقية، في عملتها الوطنية، وهذا لايعني بالمطلق، تصديق كل ما تفوه به عدد من المسؤولين، بأن ما جرى كان دليلاً قاطعاً على نظريتهم القائلة: إن سعر الصرف المرتفع الذي وصلت إليه الليرة، هو سعر وهمي. ففي هذه الرؤية إجحاف، بحق الوهم ذاته، وترسيخ لمبدأ، يجب رميه خلف ظهرنا، بأن الحكومة إن عزمت على شيء فعلته. فالواقع الاقتصادي المتردي، والمتمثل بارتفاع نسب البطالة والتضخم، وتوقف الإنتاج، وسلحفاتية الحركة التجارية، وعمق الأزمة في سورية، وبقائها مفتوحة على احتمالات غير محبذة، وغيرها من الأسباب التي يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي، يدفع إلى صوغ القضية في مجال سعر الصرف بطريقة مختلفة، وهي كم هو سعر صرف الليرة الحقيقي؟ وذلك، بعيداً عن التفسيرات والرؤى الضيقة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، و لا يمكنها المحافظة على السعر المناسب والمتوازن. وبعيداً أيضاً عن ممارسة أسلوب النعامة في مواجهة العاصفة، لأن العاصفة العاتية التي تهدد الاقتصاد الوطني، لم تهدأ بعد، ولم تنته فصولها، وما تخبئه الأيام القادمة، ليس بالضرورة هو الأفضل، فثمة ما يلوح على صعيد الاقتصاد، أن القادم لا يقل خطورة عما جرى، وذلك استناداً إلى نظرية يسوقها المسؤولون بوجود أيد خفية خارجية تعبث بسعر الصرف.

تعيش سوق الصرف المحلية، فوضى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وتُعدُّ إجراءات المركزي أقرب إلى ردات الفعل منها إلى الفعل بحد ذاته، أو المبادرة، أو استباق النيران العاتية التي تستهدف العملة الوطنية، وتغدو هذه الفوضى غير خلاقة  ولايوجد فوضى خلاقة أساساً وهي المعادل الموضوعي لقوى السوق الخفية  عندما يترك المركزي زمام الأمور بيد القوى التي تتحكم بهذه الفوضى، ومن ثم يتدخل تدخلاً يوحي بممارسته الفوضى أيضاً، لإعادة الأمور إلى نصابها، لتكون هذه الفوضى أساس التدخل. لكنها تمكنت من إلحاق الضرر بالناس، وبقوتهم اليومي، وبمدخراتهم، وساهمت في إتلاف أعصابهم بالتضافر مع ما يجري على الأرض من عنف متبادل. ولو كان التدخل الموسوم بالمتأخر جداً، هو الكفيل وحده بإعادة التوازن لسوق الصرف، فهنا لابد من التساؤل: هل ثمة تواطؤ ليرتفع سعر الصرف إلى ذلك المستوى. ومن ثم يوجه المركزي ضربة قاصمة إليه تعيده إلى جزء من سابق عهده؟ إنه بعض من الجزء الظاهر لجبل الجليد العائم.

العدد 1140 - 22/01/2025