«ما فيه شبكة.. فيه شبكة»..!
صدقوني.. هناك أشخاص يسهرون ليل نهار لاختراع طرق حديثة ومتطوّرة في سبيل لطش مبالغ مالية من هنا وهناك. قديماً قبل إدخال ما سمي بالكومبيوتر إلى دوائرنا كان على العبد الفقير لله – السيد المواطن- بجلالة قدره أن ينتظر أمام باب المدير ساعات وساعات وأخيراً يلملم أوراقه وينصرف لأن السادة المديرين – أدام الله ظلّهم – كانت لهم أبواب أخرى يغادرون منها دون أن يراهم أحد. وكانت وسائل اللطش تقتصر على مدير مكتب السيد المدير، بمعنى آخر وبالعاميّة (كان الزلمي يأخذ قرشين ويدخل الأوراق للمدير وثاني يوم يأتي المواطن ويأخذ الأوراق).
الآن على زمن الحاسوب اللعين اختلف الشغل وحلّت الشبكة محل مدير مكتب السيد المدير وهات على (فيه شبكة) و(ما فيه شبكة) والشاطر (اللي بيفهم اللعبة) يحصل على ما يريد وتطلع الشبكة على وجهه.
روى لي السيد سعيد الحزنان قائلاً: منذ أيام طلبوا مني ورقة (غير محكوم) ولأنني أعلم أنني محكوم بالأمل في أن تتغير الذهنية والعقلية في كثير من قضايانا المصيرية والمحلية، فقد عقدت العزم وتوجهت إلى حيث يحصل المواطن على تلك الوثيقة، ولأنني ممّن حظي ببطاقة كتب عليها (صحافة) فقد حاولت أن أستثمرها للمرة الأولى وأستميل عطف الأخ الذي استلم الطلب مني بالقول: (أنا صحفي وطالع عالشام.. إذا ممكن أحصل على الورقة بكير شوي). ولأن الأخ كان – مزحوم – فلم يجب بأي كلمة، عندئذ كرّرت على مسامعه ما قلت، فما كان منه إلاّ أن نظر إليّ شزراً وقال: (ما فيه شبكة.. شو ما بتفهموا؟!).
في هذه اللحظة تذكرت مدير مكتب السيد المدير، وحاولت أن استحضر ما أمكن من ملكات الفهم والدلالة والذكاء وعدت إلى جدتي العاشرة التي كانت تقول: (طعمي التم بتستحي الشبكة) (عفواً بتستحي العين) لأنه على زمن جدتي لم يكن هناك شبكة، ولو لم أنتبه إلى هذا لكنتُ أتيت بإثبات يدعوكم كي لا تصدقوني.
المهم.. جلست أجتر الوقت في ظلّ شجرة كينا صغيرة، وفكرت بطريقة يمكنني بها أن أستحضر السيدة – شبكة – ولا أعلم من أين جاءني صوت أحدهم هامساً: (شو.. مو مستعجل؟!).
التفتُّ إليه وكنت أعتقد أنه يعرفني، فبدأت في عمليات استحضار الصُّور والمواقع والمناسبات والذكريات ولكن دون جدوى.. الشخص غير مسجل على لائحة الأصدقاء ولا الأعداء.. من أين أتى ؟!. ومن دلّه عليّ.. لعله يريد أن.. أو أن… لا لا.. مستحيل.
المهم.. قبل أن أنهض تابع يقول: هات مئتي ليرة وفوراً تحصل على المطلوب..هنا تذكرت كلام الأخ الذي يستلم الطلب: (شو ما بتفهموا) وعلمت أنه على المواطن المعتّر أن يفهم بأن السيدة – شبكة – تحتاج إلى مئتي ليرة كي تطلّ برأسها عبر شاشة الحاسوب وتقول لمنظم الوثيقة بأن فلان محكوم وفلان غير محكوم: (ياسلام على هالشبكة شو بنت حلال.. تكتفي بمئتي ليرة).
أمسكتُ الأخ الفاضل من يده وقلت: مئتي ليرة دفعة واحدة ؟! نظر إليَّ وقد قطَّب حاجبيه وزمّ شفته وقال: يعني مئتي ليرة ثمن سندويشتين من الفلافل أو عُلبة معسّل أو كيلو فاصولياء أو تفاح.. يعني – ما بتهز الخزينة. ولأنني ممن يملكون المُخ (التنح) فقد قررت للوهلة الأولى ألاَّ أدفع. ولأن الأخ على ما يبدو له حصّة منها فقد استمر في محاولة إقناعي، ولأنني بالفعل كنت في عجلة من أمري فقد أخرجت من جيبي ورقة نقدية من فئة المئتي ليرة وأعطيته إياها، فغادر سريعاً واختفى في المبنى الذي لا يمكن لأحد أن يقترب من مدخله.
لحظات قليلة وإذا بالأخ ومعه الوثيقة.. اقترب مني وقال: (هيك أحسن ما تنتظر حتى ينتهي الدوام ويقولولك راجعنا بكرا وبكرا يقولوا لبعد بكرا ؟!) اغتصبت ابتسامة صفراء وقلت له: الله يعطيك العافية.. بيمشي حال المئتين بخصوص شبكة شهادات السواقة العمومي ؟!. ضحك وضحك وضحك ثم قال: شهادة العمومي بدَّك تضرب المئتين بخمسة.. الشبكة الخاصة بالشهادات عنيدة وبنت حراااااام!