التنمية والسوق الرأسمالية العالمية

إزاء العجز الواضح في إيجاد آلية عملية مناسبة لتحقيق التوازن المطلوب بين زيادة النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، حين تبرز الحاجة إلى مراعاة أنماط التوزيع في الدخول والانتفاع من الفوائض الاقتصادية والمالية العامة في تقديم الخدمات الاجتماعية العامة، يبادر دعاة الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية بتقديم الحلول الافتراضية المناسبة لسورية والدول النامية. فعلى الصعيد النظري، تتلخص الحلول المقدمة في أن الاندماج في السوق العالمية وتوسعها سيؤديان إلى تقليص التفاوت في مستويات الإنتاج والدخول بين هذه الدول والدول المتقدمة، وذلك لأن الأولى سوف تحقق زيادات كبيرة في النمو الاقتصادي وفي دخولها الوطنية. وسورية تستطيع الاستفادة القصوى من التكنولوجيا المتطورة ومن تدفق الاستثمارات الخارجية إليها. علماً بأن هذا التدفق الاستثماري يأتي تحت تأثير عوائد الاستثمارات العالية فيها بالمقارنة مع عوائدها في الدول المتقدمة. إن ارتفاع عوائد الرأسمال وانخفاض الأجور، إضافة إلى وجود خيارات واسعة من فرص الاستثمار في القطاعات المختلفة، يفسر حرص الدول المتقدمة والدول المانحة وصندوق النقد الدولي والمصرف الدولي على العمل بقوة وبسرعة في تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري في سورية والدول النامية تمهيداً لتسريع اندماجها في التجارة الدولية، وتوفير المناخ الاستثماري المناسب لتسهيل تدفق الاستثمارات الجديدة المتوقفة. هذا إضافة إلى تشجيعها على تقديم المحفزات والتسهيلات والقوانين الخاصة بتشجيع الاستثمارات الخارجية.

على أن البحث والتمحيص في هذه التفسيرات الداعمة للاندماج، يكشف عن وجود خليط بين الأسباب والنتائج، سواء أكان ذلك على الصعيد الوطني أم على الصعيد الدولي. وإن هذا الخلط يعيق التقييم الاقتصادي الموضوعي للوصول إلى قناعات أكيدة بمجالات الانتفاع من هذا الاندماج وآثاره الإيجابية المتوقعة في الفعاليات الاقتصادية والإنمائية الوطنية. كما أنها تجريدية، بمعنى تجاهلها للاعتبارات السياسية التي تتحكم إدارة الاقتصادات الوطنية من ناحية، وإهمالها أيضاً البحث في طبيعة القاعدة الاجتماعية للنظام الاقتصادي والسياسي القائم فيها من ناحية ثانية. وبعبارة أخرى، إذا ما أريد الانتفاع الأقصى من الاندماج، برأي دعاة الاندماج، فإن خصائص الاقتصاد السياسي للتنمية في البلدان العربية يجب ألا تتناقض كثيراً مع غايات الاقتصاد السياسي الدولي. وفي مثال العلاقات المشروطة بين دعوة الولايات المتحدة الأمريكية للعملية السلمية مع إسرائيل والتنمية الإقليمية والمساعدات الاقتصادية الموعودة لدول المنطقة وتسهيل اندماجها في السوق العالمية دليل كاف على أن الاهتمام بالاعتبارات السياسية هو من جانب القوى الدولية المهيمنة على السوق العالمية، وليس بالشروط السياسية اللازمة للنمو والتنمية الوطنية.

فمن الناحية الاقتصادية التحليلية، إن مبحث التوسع في السوق العالمية هو حاجة البلدان الرأسمالية المتقدمة إلى الفوائض الاقتصادية والمالية للحفاظ على مستويات ومعدلات التطور الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي السائدة فيها. ولأن فرص الاستثمارات فيها محدودة بالمقارنة مع عوائد الاستثمارات العالمية المتوقعة في البلدان النامية، فهي بحاجة إلى توجيه إمكاناتها التمويلية وقدراتها التكنولوجية وتوظيفها في المشاريع الاستثمارية في البلدان النامية، حيث لا بديل متكافئاً لها في الاقتصادات المتقدمة. كما أن التطور الاقتصادي وزيادة الاستثمارات في الدول الرأسمالية المتقدمة هي السبب الرئيسي في التطور التكنولوجي السريع الهائل سواء في مجال الاتصالات أو النقل أو في المجالات الإنتاجية.

وسبب هذا التطور هو تأثيرات المنافسة القوية والدائمة فيما بين المؤسسات الإنتاجية في الدول الرأسمالية، وسعي كل منها للاستحواذ على نصيب أكبر في الأسواق المشتركة. وفي إطار هذه العلاقة، تنشأ الديناميكية الجديدة بين التوسع السريع في التكنولوجيا وما يترتب على ذلك من انخفاض في تكاليف الاستثمار والإنتاج وزيادة البطالة من جهة، وبين زيادة التدفقات الاستثمارية من الدول المتقدمة إلى الدول النامية، حيث توجد فرص أفضل للاستثمار من حيث العوائد المالية، وللحصول على المواد الأولية ذات الطبيعة الاستراتيجية. إن العمليات الاستثمارية في استغلال الموارد الطبيعية والبشرية في البلدان النامية بتكاليف أقل وإعادة فوائضها إلى البلدان المموِّلة ودونما قيود بفضل سياسات التحرير الاقتصادي التي يجري تطبيقها، يساهم في تصريف مشكلاتها الاقتصادية الناشئة من المنافسة والتطور التكنولوجي السريع، ولتمويل نفقاتها على تحسين الخدمات الاجتماعية العامة، ثم لإعادة تشغيلها مرة أخرى في استثمارات إضافية. ولذلك نلاحظ أن اهتمامات الدول المتقدمة بقضية البطالة والهجرة القادمة إليها من البلدان النامية، لا تقترن بالقدر نفسه من الاهتمام العملي الذي يجب أن يوليه المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي بمشكلة البطالة في البلدان العربية وهجرة الكفاءات والأيدي العاملة الماهرة إلى خارجها، عند تقديم نصائحهم بتطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي، فالعمالة الرخيصة عنصر مهم لتشجيع توظيف الاستثمارات. أما النتائج الاجتماعية المترتبة على ذلك فهي، على ما يبدو، من سوء حظ هذه الدول فقط.

من هنا نجد أن الدعوة للاندماج الاقتصادي الدولي تنطلق أساساً من مصالح الاقتصاد السياسي للدول الرأسمالية المتقدمة. ولهذا فإنها غير معنية بنتائج هذا الاندماج في تحسين الظروف الاقتصادية والإنمائية في البلدان العربية، بقدر ما يعنيها تلبية الضرورات الاقتصادية الموضوعية للاستمرار في التطور الاقتصادي فيها والتكيف للمشكلات المرتبطة بذلك، وحفاظاً على مستويات المعيشة لمواطنيها. ولهذا أيضاً فإنها تسعى للتأثير في خصائص الاقتصاد السياسي للبلدان العربية لا باستخدام النفوذ السياسي الخارجي الكاسح لها فقط، بل أيضاً باستخدام القروض والمساعدات التي تقدمها مباشرة، أو عبر المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي، والمشروطة بتطبيق آني وسريع للسياسات الاقتصادية الكلية الانكماشية.

 ومن خلال تطبيق هذه السياسات الإصلاحية تدعم أيضاً الجهود الرامية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستثمارات الحكومية في إقامة مشاريع البنى الأساسية المرتبطة بمتطلبات توسيع السوق وتسهيل حركة انتقال السلع وعناصر الإنتاج فيما بين مناطق الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، لكي تساعد في تخفيض كلفة الاستثمارات الخاصة. إن لهذه الجهود تأثيرات إيجابية، ولا شك، في النمو الاقتصادي والتنمية، إلا أنها جهود قاصرة بالمقارنة مع أهداف ومتطلبات الاقتصادي السياسي للتنمية من ناحية، كما أنها تؤسس لاختلالات هيكلية عميقة الأثر في التوازن المطلوب بين النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية إذا لم تردف بالتوسع الكبير في الاستثمارات لزيادة الطاقات الإنتاجية في القطاعات الاقتصادية المختلفة.

إن انخفاض الدخول والادخارات المحلية، وبالتالي انخفاض مستوى الاستثمارات، يخلق الحاجة إلى اللجوء إلى المصادر الخارجية لتمويل الاستثمارات الحكومية في مشاريع البنى الأساسية كالطرق والكهرباء والسدود لأغراض الري ومشاريع التدريب المهني والتقني التي تشكل جزءاً من متطلبات المناخ الملائم للاستثمارات الخارجية القادمة. وهذا الواقع يفسر أسباب واتجاهات الدعم المالي والفني المحدود الذي تقدمه الدول الأوربية (المانحة)، وكذلك قروض ومساعدات صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي المعنيين مباشرة بشأن قضية الاندماج الاقتصادي في السوق الرأسمالية العالمية. لكن هذا القروض والمساعدات لتمويل المشاريع الحكومية تبقى قاصرة عن تأمين متطلبات التنمية التي تتركز في ضخ استثمارات كبيرة لتوسيع الطاقات الإنتاجية، وخاصة في المجالات الحيوية كالكهرباء والمياه مثلاً، وزيادة الفعاليات الاقتصادية لخلق فرص عديدة للعمالة، إضافة إلى تمويل المشاريع الإنمائية الاجتماعية التعليمية والصحية والبيئية ولحماية الموارد المائية.

ومن الملاحظ إن الدعوة إلى الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية تتجاهل علاقتها بوجود مشكلات الدول المتقدمة وانعكاساتها على الدول النامية، كالبطالة والهجرة. كما أنها تتغافل عن ذكر وجود مصالح متبادلة بين الدول المتقدمة والدول النامية في عملية الاندماج. ومثل هذا الموقف السياسي إذا كان مؤثراً الآن، فإنه لا يفيد كثيراً على المدى المتوسط والبعيد. ولذلك نلاحظ أيضاً أن الحلول المقترحة لترويج الاستثمارات في الدول العربية لا تقترن بالحرص على ضرورة تحسين أسعار المواد الأولية، ومنها النفط الخام والغاز، وأسعار السلع التصديرية التي تنتجها في السوق العالمية. فبحجة حرية المنافسة، تمارس القوى السياسية والاقتصادية العالمية المهيمنة ضغوطاً من شأنها تخفيض أسعار هذه السلع لتخفيض كلفة إنتاج السلع المصنوعة فيها.

العدد 1140 - 22/01/2025