شركات الصرافة ملف منتفخ والإجراءات تعيد لملمة خيوط اللعبة

تثير الشفقة والريبة والتساؤل، التصريحات الصادرة من مسؤولين اقتصاديين ونقديين، التي تحدثت بشيء من المبالغة، أن (وقت البث الإعلامي لا يتسع لعرض  جميع المخالفين). وبالمسطرة ذاتها يشار إلى ما قيل حول مخالفة إحدى الشركات بأن (الوثائق ملأت حمولة ثلاث سيارات من الحوالات وغيرها). فثمة شيء مخفي في سوق الصرف، لايمكن التكهن به ببساطة، لكنه يرمي بثقله الشديد، ويخيم على أجواء هذه السوق، يمكن الاستدلال عليه، بتواصل مداهمة شركات الصرافة ومكاتبها، وإلقاء القبض على عدد من العاملين فيها. هذا الإجراء المستمر منذ فترة، وكانت حصيلته حتى الآن، ست شركات ومكاتب، أغلقت بالشمع الأحمر هي (الشعار، وحول الخليج، والفؤاد، والجرمقاني، والجاجة، والوزان)، والتهمة واضحة وصريحة، مخالفة تعليمات بيع القطع، والعمل بغير التراخيص الممنوحة، وكل التهم تصب في دور هذه الشركات والمكاتب بتعميق أزمة سعر الصرف.

حتماً، لعبت شركات ومكاتب الصرافة المرخصة، دوراً كبيراً في تغذية ارتفاع أسعار الصرف، وساهمت مساهمة جادة في حقن هذه السوق بكل ما يؤدي إلى رفع سعر القطع الأجنبي أمام الليرة، بالتواطؤ أحياناً وعلى نحو منفرد أحياناً أخرى. وأبرز ذلك التواطؤ أتى من المزادات وبيع شرائح القطع الأجنبي التي ينظمها المصرف المركزي. وحتى لايكون التواطؤ مجرد تهمة بسيطة، لابد من توضيح أن ما فعله أصحاب شركات ومكاتب الصرافة الذين ضُبطوا بالجرم المشهود، كان يجري أمام أعين المصرف المركزي، وفي غفلة من المراقبين الذين يفترض أن يكونوا العين الساهرة على مراقبة عمل هذه الشركات والمكاتب، والمؤتمنين على سير عملها وحسن التزامها بالقوانين، على النحو الذي لايؤدي إطلاقاً إلى إساءة التصرف، أو استغلال الأزمة، أو تغذية نيرانها الملتهبة.

 لم تكن المفاجأة كبيرة عندما كشفت الجهات المختصة، أن بعض المكاتب وشركات الصرافة، كانت تستخدم سجلات مزدوجة، أو حاسوبَيْن، أحدهما حقيقي لكل عمليات الصرف والتحويل، والآخر مخصص لمراقبي المصرف المركزي، هذا العمل القديم يشبه ما تقوم به بعض الفعاليات الاقتصادية، التي تستخدم دفترين، الأول يرصد ويسجل حجم أعمالها بدقة متناهية، والثاني معد للتفتيش الضريبي. إذاً هي الفكرة ذاتها، والأسلوب عينه، لكن بطريقة أكثر تطوراً، تناسب عمل شركة أو مكتب صرافة، والنتيجة هي ذاتها، استغلال الثغرات القانونية، وضعف الرقابة، والرضوخ للرغبة العارمة في الربح دون وجه حق.

يستمر حضور أسعار الصرف في الشارع السوري، ويرخي بثقله على كل مقدرات الحياة لدى المواطنين، لكن لا أحد يوضح لهذا المواطن المغلوب على أمره ماذا يجري؟ وما سر ترك شركات ومكاتب الصرافة (تسرح وتمرح) وتستأثر بالقطع الأجنبي الذي يباع أو يُحوَّل، بل باتت عملية شراء الدولار وبيعه سواء من شركات ومكاتب الصرافة، أم من تجار السوق السوداء المنتشرين في كل مكان، وعلى عينك يا مركزي، باتت هذه العملية مهنة لكثيرين، يجنون من ورائها ما يسد رمقهم، ويقطف ربحها الكبير من يقف خلفهم من ممولين ومتاجرين ومقتنصي فرص، أو الذين يضعون أنفسهم خارج القانون، أي الرؤوس الكبيرة التي تظن، أنها فوق القانون والمحاسبة، وفعلاً قطاف هذه الرؤوس لابد منه، كإجراء يبعث على الطمأنينة، ويعيد الثقة لسوق الصرف، والليرة في آن.

ما جرى في سوق الصرف هو الفصل الأقوى والأخطر، من فصول المخالفات والاستهداف والاستغلال، فصل مرير بكل ما تعني الكلمة من معنى، والخطوة التي تشبه استعدادات الذئب قبل الانقضاض على فريسته، بكل ما تحمل في طياتها من قسوة وشراسة وحقد. لايمكن نكران مدى خطورة الأشهر القلية الماضية التي أثبتت أن المركزي بدا عاجزاً، ومكتوف الأيدي، أمام ارتفاع أسعار الصرف، ولايمكن السكوت عن اكتفاء كل الجهات المعنية بالمراقبة من بعيد لما يجري في سوق الصرف، ولايمكن الصمت إطلاقاً عن حالة العجز التي أظهرتها المؤسسات والجهات المعنية إزاء التهديدات المباشرة لليرة السورية، وما فعلته شركات ومكاتب الصرافة لا يخرج عن هذا الإطار، بل يمكن اعتبارها، أي شركات الصرافة ومكاتبها المخالفة، الأداة الفعلية التي استخدمت لتحقيق الهدف الأساسي بضرب الليرة في قيمتها، وأمام العملات الأخرى، وإضعاف قدرتها الشرائية.

ملف المخالفات منتفخ جداً، وانفجاره، بعد أن تجاوز سعر الصرف 350 ليرة أمام الدولار، يؤكد أن سوق الصرف كان يعيش حالة فلتان، وما يتخذ الآن من إجراءات هو مجرد لملمة لخيوط اللعبة.

العدد 1140 - 22/01/2025