سورية أمّنا العظيمة «*»
(.. صار لك يومين ما اتصلت.. شغلتللي بالي عليك!).
يحتوي الملفوظ أعلاه، على كمشة كلمات عادية، قد تطرق طبلة أذنك، غير مرة في اليوم، من دون أن ترمش لها عيون قلبك، أو تتداعى إليها شغاف سمعك. على غير ما يؤول إليه الأمر، في حال كانت الكلمات تخصّك بالذات.
موجهة إليك من قِبَل شخص معين. .
بلهجة معينة. .
وفي زمان ومكان معينين.
لاشك أن للكلمة بحد ذاتها، مقروءة كانت أم مسموعة، أهميتها ودورها، في تشكيل خريطة الخطاب بين إنسان وآخر. غير أن تلك الأهمية، تبقى برسم التكامل، وذلك الدور يظل رهن التفاعل، مع سائر العوامل الأخرى، الداخلة في معادلة التواصل، بطرفيها (المخاطِب والمتلقي). بالتضايف مع حيثيات الخطاب، النص والسياق والزمان والمكان والصوت ولكنته ولهجته في المشافهة. أو الحرف ولونه وشكله في المكاتبة.
كثيراً ما تصلك أثناء جولانك في الأسواق وسواها من الأماكن العامة، مشاهد وعبارات (تستوطي حيطك) وتستخف بمعارفك كمواطن، وتستغبيك كإنسان، مثل:
(والله العظيم هذا السعر مشانك.. يعني ما صحّ لغيرك.. علييّ الطلاق، أرخص من هيك بتخسّر معي!).
أظنها ستخسّر معه فعلاً، وقد يخسر نفسه أيضاً، إن عاجلاً أم آجلاً. لكن على غير حساب.. من غير مصدر، وبعملة أخرى.
وبعيداً عن الظن وما قد يستجرّه من إثم، وبغض النظر عن عامية الكلام في الملفوظ السابق واعتباطيته ولا مسؤوليته، وأخذاً على محمل حسن النية، يمكنك إدراج ما قيل تحت عنوان: تأثير الطبع والتطبع وما إليهما على الخطاب الشخصي.
هذا في حال كان الشخص صادقاً فيما يقول، في الوقت الذي تتحرر فيه الكلمات من معانيها، ويرتد (الحلفان) والإيمان وبالاً على صاحبهما، حين تكتشف أن حضرة البائع المفوّه، يتوجه بكلامه إلى زبون يلتقيه لأول مرة، وربما لآخر مرة! وما الكلمات التي أسبغها عليه، سوى (لازمة) فن تجارية يطرب بها كل المشترين.
كثيرة.. متنوعة ومتشعبة، هي العوامل المشتركة في (عرس الكلمة). وإذا عرضنا فيما سلف من مقروئنا هذا لمثالين اثنين، مما يتعلق بالمتكلم (الطرف الأول من معادلة الخطاب). فمن الحريّ بنا والجدير والجميل معاً، بما أن الحديث يدور حول صدقية الكلام وشخصية المتكلم، أن نختم بمقيم مسك الكلام. ما أوصى به المبدع الراحل (نضال سيجري) عشية محنة سورية وغداة رحيله، إلى جوار والدته، في حفرة، يظللهما سعف نخلة رؤوم، ويحتضنهما تراب أم عظيمة. حين قال:
وطني مجروح وأنا أنزف..
خانتني حنجرتي فاقتلعتها..
أرجوكم.. لا تخونوا وطنكم..