التسعير الإداري وسيلة وليس غاية
الغاية الأساسية والأهم لأي حكومة في أي بلد هو الوصول إلى تنمية مستقرة متوازنة مستقلة، وذلك عن طريق برامج وسياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلاقات من جميع الأنواع مع الدول الأخرى. هذه السياسات التي تنطلق من الواقع الحالي عبر الاستثمار الأمثل للإمكانات والموارد المالية والمادية والبشرية، وذلك بغية تأمين الاستقرار المادي والمالي لمواطنيها والحفاظ على السيادة والأمن الوطني. وبالتالي الحكومة الكفؤة تحاول أن تغير هذه البرامج أو القرارات وفق مرونة عالية تناسب الواقع الحالي، وأن لا يكون هناك ثوابت دائمة للقرارات والقوانين. ولو حدث ذلك ضمن فترات قصيرة ، فلكل ظرف القوانين الناظمة له الضابطة للبيئة. فعلى المدى الطويل لا يوجد قرارات وقوانين ثابتة أو مسلم بها، وإنما هي تكتيكات للوصول إلى أهداف عامة مخطط لها مسبقاً. وقد تلعب الظروف المفاجئة بشكل سلبي لتغييرها أو الوصل الجزئي لها. وهكذا فالغاية النهائية للحكومة الكفؤة هي استخدام السياسات المناسبة الملائمة للظرف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي تمر به البلد. وهذه المرونة تعتمد على الوصول إلى الغاية الأولى استقرار البلد وتأمين المعيشة للمواطن والسير دائماً نحو تحسينها.
وفي الظروف الاستثنائية تتخذ قرارات استثنائية بما يحفظ الأمن والاستقرار ، وفي ظل الظروف الصعبة التي مرت بها بلادنا وفي ظل الإرهاب الاقتصادي الناجم عن بعض الإجراءات الاحتكارية للسلع وبأساليب قذرة غير قانونية وغير وطنية الغاية منها الوصول إلى أرباح سريعة، ولو على حساب تجويع المواطنين وزعزعة أمن البلد/ ولو على حساب الدماء الطاهرة لأبنائه. وكانت هذه التصرفات غير المسبوقة بهذا الانحطاط وفق أسوء وأصعب الظروف متسايرة مع مضاربات جعلت أسعار الدولار تحليقاً عالياً وغير واقعي، أثر في رفع أسعار المواد كذلك.
إن تلازم هذه المضاربات على السلع وعلى الدولار أوصل المواد إلى أسعار خيالية يعجز عنها أصحاب الدخل المحدود، فكيف لمن لا دخل له نتيجة البطالة التي تضاعفت باضطراد، نتيجة إغلاق المصانع والمنشآت بسبب الظروف الأمنية، أو عدم توفر المواد الأولية، أو نتيجة تدمير المنشآت أو هروب الرساميل وأصحابها أو الكبيرة لمئات الآلاف من المواطنين نتيجة النزوح الإجباري خارج مدنهم وبيوتهم.
هذه الأمور دفعت الحكومة نتيجة استمرار وازدياد الضغط المعاشي والأجواء النفسية التي وصل إليها المواطن للسير بالرأي الذي طالب به الخبراء والباحثون المتمثل بضرورة التدخل القوي والإيجابي للدولة، عبر إعادة تفعيل الدور الذي كانت تقوم به، وهو تأمين السلع والخدمات للمواطنين بأسعار عادلة. والمقصود بعدالة الأسعار تناسبها لظروف ومستوى المعيشة المواطنين. وبالتالي يجب أن تشمل هذه الأسعار أغلب السلع الضرورية لحياة المواطن، من رز وبرغل وسكر وشاي ولبن وحليب وبيض وفروج وسمنة وخضار وغيرها من المواد الأساسية اللازمة لمعيشة المواطن. وبالتالي هنا لابد من توفير السلع عبر الدولة عن طريق العرض الكبير للسلع بأسعار يستطيع المواطن شراءها وفق أسعار تحددها الدولة بشكل عام، مع توفير هذه السلع عبر شركات الدولة كمؤسسة التخزين والمؤسسة الاستهلاكية عبر البطاقات التموينية من خلال تخصيص كمية معينة لكل فرد تستطيع الأسرة بواسطتها الوصول إلى مستوى معيشة لائق يطرد الجوع والفاقة.
وبالتالي الهدف من هذا التسعير الإداري في ظل مثل هذه الظروف الاستثنائية إعادة القوة للدولة وتأمين معيشة المواطن، وليس الربح ولو اضطرت الدولة لدعم السلع والمواد الضرورية لتأمين تأمين المعيشة. وبالتالي الهدف الربحي الاقتصادي يزول أمام مثل هذه الظروف. ولكن الذي وجدناه تسليط إعلامي وإسهال تصريحات ووعود، ولكن الذي حصل عند الفعل أن السلع التي عرضت بحسب كلام وشكوى أغلب المواطنين أغلى أو تساير أسعار التجار الذين هم أنفسهم فرضوها في ظل السعر الضخم للدولار.
وعلى الرغم من أن أغلب بضائعه كانت مخزنة ومشتراة بأسعار تقل أضعافاً عما يعرضونه. وهذه السياسات للأسف تحابي هؤلاء التجار ولا تنعكس انعكاساً إيجابياً على الوضع المعاشي. وهنا يفقد التسعير الإداري أهميته ، وخاصة أن كبار هؤلاء التجار هم من كانت الحكومات السابقة تحابيهم ووضعت الكثير من القوانين التي تراعيهم على حساب الوطن بواسطة احتكار القلة للكثير من السلع، بعد أن قاموا بحملات ضد القطاع العام لقتله ووصلوا إلى الكثير مما عملوا له وحجَّموا عمل مؤسسة التجارة الخارجية وسيطروا على مراكز بيع التجزئة عبر استئجار أجزاء منها لبيع بضائعهم.
وبالتالي فالاحتكار الذي لمسناه لم يكن مصادفة أو ضمن السياق الضروري لتطور الاقتصاد السوري، أو لمتطلبات التطور التنموي، وإنما وفق فرض سياسات تعاكس الضرورة المناسبة للتطور التنموي بمختلف أشكاله. وقد كانت هذه السياسات من الأمور التي مهدت البيئة النفسية والاجتماعية لتكوين القش الجاهز للتشعيل.
وهنا السؤال: كيف تظهر هذه السلع بكميات كبيرة عندما تكون الأسعار مرتفعة، وتختفي عندما تهبط لفترات قليلة. وكذلك هناك فئة معينة على الأغلب لا تعرف كيف كونت ثرواتها تزداد غريزة التسوق لديها عند ارتفاع الأسعار ، بينما يحرم أغلب الفقراء وأصحاب الدخل المحدود الذين هم أساس البلد واستمراره وحمايته؟ وأين دور جمعية حماية المستهلك؟ علماً أن هذه الجمعية في الدول المتطورة أهلية غير حكومية تدعو لمقاطعة ومحاسبة التجار الذين يعملون بجشع وبوحشية وبلا إنسانية أو وطنية.
ومن ضمن الأمور التي لفتت النظر عن السعر الإداري والذي لا يمكن استيعابه، صفقة الفروج المجمد التي طال الحديث عنها كتدخل إيجابي للحكومة. وقد كان سعر الفروج وقتئذ نحو200 ل.س وسعر الدولار نحو300 ل.س. وفي الأسبوع الماضي إعلانات عن عرض هذه السلعة بصالات التجزئة وفق سعر 400 ل.س، والسعر في السوق العادية نحو 450ل.س. وهنا المفاجأة: فإن كنت تريد التدخل فيجب أن يؤدي السعر إلى تنزيل السعر السائد وما يجعل المواطن يتمكن من شراء السلعة. ومن خلال العرض نلاحظ أن الذكي الذي عرض السعر قد ثبت سعر السوق من خلال:
أولاً الثقة بالفروج المنتج محلياً عكس المجمد المستورد.
وثانياً تقارب السعرين.
وهنا نسأل: ما حجم الربح من هذه الصفقة؟ إن كانت الفكرة عرضت عندما كان سعر الكيلو 250 ل.س وبسعر دولار مرتفع. إن ما حصل هو صفقة لمراضاة البعض والربح وليس تدخلاً. وهذا فيما يخص سلعة واحدة، فكيف لباقي السلع؟
إن ما حصل من تغيير لبعض الوزراء وفصل منصب النائب الاقتصادي عن وزارة حماية المستهلك يستدعي مراجعة كل السياسات السابقة التي لم تكن سليمة، ولم تكن نتائجها ذات أثر إيجابي على معيشة المواطنين ومحاربة الجشعين، وخاصة من خلال عدم المتابعة المستمرة والمراقبة الدائمة للأسواق، ومن خلال لعب الدور الحامي لجشعهم من خلال المشاركة والرشا التي لا تخفى على أحد.
إن هذه الأدوات تلعب عكس الدور المنوط بها وأثبتت فشلها، وبالتالي فتغييرها مع تغيير العقلية، ضرورة حتمية للسير في الاتجاه الصحيح نحو ضبط الأسواق وتأمين الحاجات من سلع وخدمات عبر التدخل الإيجابي وفق السعر العادل، الذي ما يعنيه للمواطن ولو اضطرت الحكومة في مثل هذه الظروف لدعم هذه السلع أو حتى دعم المنتجين الذين تثبت الظروف صدق مطالبهم.
للمسؤولين نقول: مهمتكم الأساسية هي المساواة بين كل المواطنين، والسهر على راحتهم وتأمين متطلباتهم، لا محاباة بعض التجار الذين أثبتوا أنهم تجار أزمات، وساعدوا على زيادة حدتها، أصحاب المصلحة الحقيقية في عدم الإصلاح نحو الأفضل ونحو القرارات الوطنية التي تكرم المواطنين الشرفاء والغيورين على بلدهم.