على أبواب المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي السوري الموحد: التنوع في إطار الوحدة

أدخل مصطلح التنوع في إطار الوحدة على أدبياتنا الحزبية، ونظراً لأهميته وآنيته فقد وجدت نفسي مشدوداً للكتابة عنه.

ومن المعروف أن هذا المصطلح قد أخذ حيزاً كبيراً من النقاش في صفوف الحزب في فترات التحضير للمجلس الوطني والمؤتمر الثامن للحزب كما الكثير من الآراء والمفاهيم والموضوعات.

كان من الطبيعي أن تتلاقى الآراء أو تتباعد حول فهمه أو على الأصح حول مدلولاته. فهل كان المجلس الوطني والمؤتمر الثامن محقان في تبني هذا المصطلح؟ وهل كان هذا المصطلح شيئاً مصطنعاً قادتنا إليه الأقدار والمتغيرات التي حصلت ولا يجد أسسه ومبرراته في المجتمع والحزب.

إن التناقضات في إطار المجتمع هي حالة موضوعية أزلية ومتحركة. لقد وجدت التناقضات التناحرية في المجتمع منذ التقسيم الاجتماعي الأول للعمل ونشوء الطبقات. وقادت هذه التناقضات مع تزايد حدتها إلى تتالي التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية. وقد تمكنت النظرية الماركسية وحدها من اكتشاف قوانين التطور الاجتماعي والانتقال من تشكيلة إلى تشكيلة أخرى، وبينت جوهر الاستغلال الطبقي ومسبباته، فأرجعته إلى التملك والاستحواذ على وسائل الإنتاج من قبل طبقة معينة قامت بدورها وبحكم هذه المكانة في عملية الإنتاج، فاستحوذت أيضاً على قوة العمل، ومن ثمة على (القيمة الزائدة) التي هي نتاج قوة العمل.

إن نظرية القيمة الزائدة هي حجر الزاوية الأساس في النظرية الاقتصادية لماركس. وقد بررت هذه النظرية علمياً الدور التاريخي للطبقة العاملة بوصفها المناضل من أجل التنظيم العادل للمجتمع وتحرير جميع المقهورين من أصفاد الرأسمالية. وإذا كانت حالة التصادم بين الطبقات الأساسية في المجتمع هي تعبير عن تصادم المصالح الطبقية فلكل طبقة من هذه الطبقات فكرها وأيديولوجيتها وسياستها التي تسعى لفرضها على المجتمع ومسك الدولة وإيجاد الأساسات التحتية والفوقية لبنائه وتنظيمه.

ونستطيع أن نستنتج أنه لا توجد طبقات أو أيديولوجيات فوق الدولة، فكل طبقة من طبقات المجتمع الأساسية حين تحكم تفرض سيطرتها الكاملة على المجتمع وتدير السياسة والاقتصاد حسب أهوائها ومصالحها، وتسعى لفرض شرائعها وتشريعاتها وقوانينها على المجتمع بأسره. وتستخدم من أجل هذا كل وسائل الإعلام وبناء الدعاية التي هي بحوزتها كي تؤكد أنها تمثل المجتمع بأسره.

إن التنوع في إطار المنطلقات الأساسية لفكر الحزب وسياسته وأهدافه أمر تفرضه وقائع الحياة الغنية والمتجددة.

يجب أن تتاح الفرص داخل الحزب لطرح كل الآراء والأفكار، ولكن عندما نكون قد ناقشنا مسألة ما واتفقنا حولها وتبنينا قراراً بشأنها فإن هذا يكون ملزماً للجميع أثناء التنفيذ (ليس ملزماً بتغيير القناعات) يجب أن يكون ثمة ضبط ونظام في الحزب من أجل توفير قاعدة متينة لوحدة الإرادة والعمل. مع قناعتي التامة بأنه لا يمكن لأية فكرة أو سياسة أو منطلق لوحدة الحزب توضع لمرة واحدة وإلى الأبد. فبسبب المتطلبات المتزايدة وتنوع المسائل والمعضلات والخلل الاستراتيجي الخطير في العالم وسيادة القطب الأمريكي، مطلوب دائماً البحث والتطوير في رؤى الحزب، وخاصة في مسائل التكتيك والاستراتيجية.

إن التنوع في الآراء تجاه المسائل التي يعالجها الحزب هو حق مصون لكل ذي رأي وصاحب فكرة، ومؤتمراتنا الحزبية واجتماعات لجنتنا المركزية شاهدة على حيوية المناقشات وتفاعلاتها. إلا أن الرأي الجمعي والعقل الجمعي يبقيان الأساس في صياغة سياسة الحزب الواجبة التنفيذ.

إن الصراع الفكري في الحزب لا يعني الصد المتبادل بل يعني التأثير المتبادل، خصوصاً إذا اتصف هذا الصراع بالموضوعية وكان غرضه البحث العلمي والعملي لإغناء وتعميق خط الحزب، والابتعاد عن الميول الذاتية في قراءة الواقع وسماته الجديدة التي تستوجب التدقيق أو التطوير في فكر الحزب والتعاطي الجديد مع هذا الواقع.

كثيرة هي الآراء والأفكار والموضوعات التي كانت صحيحة في زمانها ومكانها، وربما لم تعد كذلك في ظروفنا الراهنة، لا يجوز تناولها على أنها كانت مطبات خاطئة في فكر الحزب وسياسته.

إن طرح المسألة على هذا الشكل والمبالغة فيها تلحق ضرراً بالحزب أكثر من (الأخطاء) المفترضة نفسها.

إن تحريك التاريخ والأحداث والوقائع القديمة والحكم عليها من منظور اليوم بوقائعه ومستجداته كثيراً ما يقود إلى التجني على التاريخ وعلى كل ما هو قديم. عدا الانتهاك الظالم لمبدأ الجدلية في الحياة وعدم رؤية الأشياء في حركتها.

إن الأفكار دائماً تجد لحمها ودمها في المجتمع ليس في سكونه بل في حركته الدائمة الصاعدة دائماً إلى أمام.

إن التنوع في إطار الحزب يجب أن يلازم هذه الحركة ويكشف عن سماتها وخصائصها الجديدة خدمة لأهداف الحزب وإغناء لفكره وتعميقاً لموقفه وخطه الاستراتيجي.

العدد 1140 - 22/01/2025