اللقاء اليساري العربي الرابع في بيروت

بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني، انعقد اللقاء اليساري العربي الرابع في بيروت ـ لبنان، في السابع والثامن من حزيران 2013. تحت عنوان (مهام اليسار في تجذير الثورات العربية ومواجهة المشاريع الإمبريالية، ودور القوى السياسية الدينية فيها).

حضر اللقاء ممثلون عن 24 حزباً من 11 بلداً عربياً، هي: 1- المغرب، 2- تونس، 3- السودان، 4- مصر، 5- الكويت، 6- البحرين، 7- العراق، 8- الأردن، 9- سورية، 10- لبنان، 11- فلسطين. وقد مثل (الحزب) الشيوعي السوري الموحد في اللقاء الرفيقان حنين نمر الأمين العام للحزب، ونبيه جلاحج عضو المكتب السياسي.

احتوى اللقاء عدة محاور سياسية واقتصادية وتنظيمية بحثت خلالها مواضيع، منها:

ـ دور القوى السياسية الدينية في مواجهة انتفاضات وثورات الشعوب العربية.

ـ مشروع الشرق الأوسط الجديد وتجلياته.

ـ (إسرائيل) دولة اليهود في العالم ومشاريع التفتيت.

ـ اقتصاد الريع وموقع القوى السياسية الدينية في العالم العربي فيه.

ـ مهام اليسار في بناء البديل الديمقراطي الجذري.

  وغير ذلك.

وبعد أن افتتحت الرفيقة الدكتورة ماري الدبس، الأمينة العامة المساعدة للحزب الشيوعي اللبناني اللقاء، ألقى الرفيق الدكتور خالد حدادة، الأمين العام للحزب، كلمة أشار فيها إلى سمات المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة،والتي تتميز كما قال بتبلور الصراع فيه بين قطبين أساسيين: الأول هو طموحات شعوبنا إلى الحرية والعدالة والكرامة الوطنية، وبين  التحالف المضاد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، ويضم النظام الرسمي العربي المغرق برجعيته وتبعيته، وقوى إقليمية في طليعتها تركيا مع التحالف المنضوي في إطار حلف الناتو.

وأبدى الرفيق حدادة أن جزءاً أساسياً من الأزمة الخطيرة في سورية هي محاولة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم في الخليج العربي وتركيا، وفي الداخل السوري ضرب موقع سورية في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، وإضعاف مواجهة العرب للمشروع الأمريكي الصهيوني.ومن جهة أخرى، فإن ممارسة النظام السوري قبل الأزمة، وخصوصاً في قضايا الحريات والفساد والسياسة الاقتصادية الاجتماعية، لم تشكل الخيار الصحيح المدعم لموقع سورية المقاوم.

وأكد الرفيق حدادة أن سورية التي نريدها هي سورية الموحدة المصرة على موقفها في مواجهة المؤامرة الإمبريالية ـ الإسرائيلية على سورية وعلى المنطقة، وسورية التي نطمح إليها هي سورية المدنية الديمقراطية التي يتمتع شعبها بأقصى الديمقراطية، وسياسة تستعيد للاقتصاد السوري موقعه الوطني، وتكامله مع السياسة الاجتماعية.

واختتم كلمته بأن لقاءنا الحالي يجد نفسه أمام أسئلة كبيرة، أهمها استكمال صياغة المشروع العربي التقدمي المواجه لمشروع الإمبريالية من جهة، ولمحاولة فرض الرديف القائم على أسس دينية ومذهبية من جهة أخرى. 

ألقى الرفيق حنين نمر كلمة الحزب الشيوعي السوري (الموحد)، استعرض فيها مظاهر الأزمة والمراحل التي مرت بها الهجمة الشرسة التي تتعرض لها سورية من قبل الإمبريالية العالمية والرجعية العربية والحكومة التركية، والنتائج الكارثية التي نجمت عنها من   سقوط عشرات الألوف من الضحايا بين قتيل وجريح، وتدمير البنى التحتية والمعامل والمنشآت الصناعية والخدمية، والمستشفيات والمدارس، والسيطرة على آبار النفط وبيعه إلى تركيا، وممارسة المجموعات الإرهابية المسلحة أبشع أساليب القتل والذبح والاعتداء على الأعراض في المناطق التي تسيطر عليها.فضلاً عن استخدام أساليب الاغتيال والتفجيرات العشوائية في المناطق الأخرى.

ثم أشار الرفيق حنين إلى وجود معارضة سياسية خارجية غير مسلحة، ومعارضة وطنية داخلية تطمح إلى التغيير بشكل ديمقراطي وسلمي، وهاتان المجموعتان يمكن أن تساهما في المساعي الدولية لإحلال السلام في سورية، بينما لا تزال المجموعات المسلحة تعلن رفضها لأي حل سياسي.

بعد ذلك أوضح الرفيق حنين  أن الحزب حلل منذ بداية الأزمة طابعها المركب والمعقد، وكيف تحول الحراك الاجتماعي المطلبي المشروع في بادئ الأمر، إلى عمل عسكري بفعل تدخل القوى الاستعمارية التي بدأت تمول الجماعات المسلحة الداخلية والخارجية بالسلاح والمال والرجال، وتجند أحدث وسائل الإعلام في خدمته.

وأكد أن الاستياء الذي ساد في البلاد في المرحلة السابقة، نتيجة الفساد المستشري، والانفراد بالسلطة، وفقدان الرقابة الشعبية،وتفشي البيروقراطية، وبروز النزعات الليبرالية في الاقتصاد، ونشوء فئات برجوازية كومبرادورية وبيروقراطية  ازدادت ثراء ونفوذاً، بينما ساءت الأحوال المعاشية للجماهير وازداد الغني غنى والفقير فقراً، وغير ذلك، لعب دوراً كبيراً في تشكيل حاضنة للقوى الرجعية والتدخل الأجنبي.

إلا أن شعارات الحرية والديمقراطية والإصلاح التي رفعت في أول الأمر غابت، وحلّ محلها شعارات تدعو إلى تحويل البلاد إلى إمارة إسلامية وهّابية وتكفيرية وسلفية.

إن النشاط الإرهابي، الذي جعل من سورية ساحة للجهاد، لا يهدف إلى إصلاح الأخطاء، أو تدارك السلبيات، بل يهدف إلى تدمير كل ما هو إيجابي في الدولة السورية، الذي بناه السوريون بعرقهم وتضحياتهم على مدى عقود.

لقد وجدت القوى الإمبريالية الأمريكية والأوربية أن الفرصة قد أصبحت سانحة أكثر من أي وقت مضى للانقضاض على سورية الدولة، والدور الوطني القومي.

وبعد أن أضاف أن حزبنا يناضل من أجل عقد المؤتمر الدولي للسلام في سورية  انطلاقاً من أن الحل السياسي هو الحل الذي يوفر وقف نزيف الدم السوري، شريطة أن يضمن هذا الحل الحفاظ على وحدة سورية واستقلالها الوطني وبسط الدولة سلطتها على جميع الأراضي السورية. طرح الرفيق حنين في كلمته أهم الاستنتاجات والمهام التي توصل إليها الحزب ومنها:

ـ أن التناقض الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط لا يزال هو التناقض بين الإمبريالية العالمية وبين حركة التحرر الوطني العربية الطامحة إلى تحرير أراضيها المحتلة واستعادة ثروتها المنهوبة

ـ القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني هي حلقة أساسية من حلقات التناقض الرئيسي.

ـ توطيد التحالفات الوطنية العربية مع الدول الصديقة في العالم، وأهمها روسيا والصين وإيران.

ـ الديمقراطية السياسية بكل مفرداتها، مثل التعددية الحزبية وحرية الرأي والتعبير وعدم الاعتقال الكيفي للمواطنين، وإطلاق سراح معتقلي الرأي واحترام حقوق الإنسان، هي مطالب إنسانية مشروعة.

ـاندماج مهام التحرر الوطني بمهام التحرر الاجتماعي هو الضامن الأكيد لانخراط الشعوب العربية في معاركها الوطنية، وللسير في طريق التقدم الاجتماعي.

ـ النضال لإقامة الدولة الوطنية على أساس اقتصادي إنتاجي غير ريعي،  وتعددي، تقوده الدولة وفق خطط تنموية شاملة ومتوازنة ورعائية.

ـ الحذر الشديد من نشاط الفئات الدينية المتزمتة ومن استغلال الدين لأغراض سياسية جاهلية واحترام حرية الأديان والمعتقدات، وتعزيز العلمانية في جميع مرافق الحياة، واحترام مبدأ المواطنة.

ـ تقوية التحالفات بين قوى اليسار الاشتراكي والقوى الوطنية والقومية وزيادة التعاون فيما بينها.

وبعد يومين من الحوار الجاد والبناء قُدّمت فيهما العديد من أوراق العمل المعدة مسبقاً حول القضايا المطروحة، وألقيت فيهما المداخلات والكلمات حول تجارب الأحزاب والمنظمات المشاركة، انتهى اللقاء بإصدار بيان ختامي، جاء فيه: أن المجتمعين ناقشوا الأوضاع التي تعيشها المنطقة في ظل المواجهة الشعبية المستمرة ضد المشاريع الإمبريالية ـ الصهيونية، والتدخل الإمبريالي في الشؤون الداخلية لأكثر من بلد عربي، وكذلك ضد القوى المضادة للثورة  على اختلاف تلاوينها، ومنها بالتحديد بعض القوى الدينية التي التفت على ثورات الشعوب العربية واستولت على السلطة في أكثر من بلد عربي، ممارسة أبشع أشكال القمع والاستبداد.

وبناء على مجمل الحوار خلص المجتمعون إلى جملة من الاستنتاجات منها:

ـ أن مواجهة المؤامرة الإمبريالية ـ الصهيونية، المستندة إلى دعم الرجعية العربية وبعض القوى الإقليمية،والهادفة إلى ضرب وحدة سورية، وإعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مصالحها، عبر استخدام سلاحَيْ الحرب الأهلية المذهبية والتدخل الخارجي، لا يمكن أن تتم عبر اللجوء إلى الحلول العسكرية والأمنية، ولا كذلك من خلال تدويل الحل. بل بواسطة حل داخلي يوقف النزف، ويعمل على تجميع القوى الديمقراطية التي رفعت منذ بداية الأزمة شعارات النضال ضد التدخل الأجنبي والقوى التكفيرية، ومنع التفتيت المذهبي، ووقف السياسات الاقتصادية النيوليبرالية عبر وضع أسس التغيير الديمقراطي على كل المستويات.

ـ تأكيد الموقف الثابت من القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المحورية والمركزية في النضال، وأن المشروع الرجعي العربي حول (مبادلة الأراضي) يستهدف تكريس الكيان الصهيوني دولةً لليهود في العالم وتصفية القضية الفلسطينية، وتأكيد الموقف الداعم لحق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بجميع الأشكال حتى تحرير أرضه.

ـ التضامن الكامل مع القوى اليسارية والشعبية في لبنان التي تواجه مخاطر كثيرة بسبب ارتدادات الأزمة السورية، والتي تدعو إلى تحصين السلم الأهلي والخروج من سياسة (النأي بالنفس) التي انتهجتها الحكومة، التي لم تعمد إلى إعطاء الغطاء السياسي للجيش، ومنع بعض القوى اللبنانية من التدخل في الحرب الدائرة في سورية، لمنع انزلاق اللبنانيين في أتون الحرب الأهلية.

ـ التضامن مع القوى اليسارية والديمقراطية في العراق، الساعية إلى وقف الإرهاب ومواجهة محاولات تقسيم البلاد، وإلى إعادة بناء العراق على أسس التغيير الديمقراطي الجذري.

ـ التضامن مع ثورتي مصر وتونس، ودعم الجماهير المصرية المواجهة لسياسات (الأخونة)، ودعم الحركة التقدمية والشعبية المناضلة في تونس.

ـ توجيه التحية إلى الحركات الشعبية في الخليج العربي (البحرين والكويت واليمن) والتضامن الثابت معها في وجه الممارسات القمعية السلطوية والتدخل الخارجي.

ـ التضامن مع نضال شعب السودان وقواه الديمقراطية من أجل الخلاص من أوضاع الانقسام والشرذمة والقمع الذي تمارسه السلطات السودانية، ومع نضال القوى اليسارية في المغرب والجزائر من أجل التقدم الاجتماعي والتغيير.

وأخيراً رأى المجتمعون أن النضال الذي يخوضه اليسار العربي والقوى الديمقراطية ضد البرجوازية، ومنها قوى الإسلام السياسي، التي حرفت انتفاضات وثورات الشعوب العربية عن أهدافها، وضد الإمبريالية، إنما هو نضال يؤكد أن من يصنع التغيير هي القوى الشعبية ذات المصلحة الحقيقية في الانتقال ببلداننا من أنظمة  الاستبداد والقمع والفساد والتبعية والعمالة إلى رحاب أنظمة ديمقراطية علمانية مقاومة، تتحقق فيها العدالة والمساواة والاستقلال الوطني.

من هنا كان الاتفاق على وضع برنامج استراتيجي للقاء اليسار العربي،يجمع بين مهام النضال الوطني التحرري من السيطرة الإمبريالية، ومعها كل أشكال النضال ضد الوجود المباشر للقوى الإمبريالية وحلف الناتو، عبر القواعد العسكرية خاصة، وبين مهام التغيير الديمقراطي الداخلي، وعلى هذا الأساس رأوا في رفع مستوى التنسيق بينهم وبين القوى التحررية والتقدمية العربية الأخرى،وكذلك في تطوير دور الأطر النقابية والشبابية والنسائية، المداخل الصحيحة لتجميع جميع المتضررين من التبعية الإمبريالية ومن كل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للرجعية العربية الحاكمة.

وقد جرى الاتفاق كذلك، على تشكيل هيئة للمتابعة والتنسيق وللبحث في إنشاء هيكلية دائمة، تضع برامج تنفيذية لممارسة نشاطات مشتركة بين الأحزاب والقوى المشاركة في اللقاء، وتحضّر للقاءات الدورية، لزيادة فاعلية هذا اللقاء وتعزيز العلاقات والتضامن بين أحزابه وقواه.

العدد 1140 - 22/01/2025