«مجاهدو» سورية… أحلام الوصول إلى السلطة عبر تكفير الآخرين وقتلهم (1من2)

بماذا يفكر من يفجّر جسده بأشخاص يعتبرهم أعداء؟ ما هو المشهد الأخير أمام عينيه؟ وما هي آخر فكرة طرأت على عقله وما طبيعة الإحساس في قلبه؟ أسئلة كثيرة والإجابات قليلة. يسأل المقتول: لماذا (أنا) الضحية؟ ويُسأل القاتل: لأي هدف يضحي بأغلى وأثمن ما يملك، أشلاء روحه وشظايا جسده.. هم متشدّدون ومتطرفون وإرهابيون وأصوليون، نعوت كثيرة صارت تطلق على كل إنسان يحمل راية سوداء، أو يرخي لحيته ويقصّر ثوبه ويصرخ مكبّراً في ساحات الوغى. المنطقة تمر بمرحلة خطرة، انتشرت فيها العمليات الانتحارية، واتسعت رقعة الفوضى وتعاظم نفوذ تنظيم (القاعدة). هي لعبة أصبح الموت فيها أسهل الطرق إلى الغاية بوسائل كل يراها مناسبة.

حين وصلت إلى ريف دمشق، أعلمت المجموعة التي كنت معها أني صحافي أريد أن أكتب بعض التقارير عن المعارضة السورية. عصراً اصطحبني شابان إلى أحد المنازل، كان هناك أشخاص كثر يدخلون ويخرجون. كان هذا المنزل إحدى غرف العمليات كما بدا لي. لم يكترث أحد بوجودي، جلست نحو ساعة ونصف ساعة، كان رجل كثيف اللحية، جسده ممتلئ، يوزع المهمات على المقاتلين، رحب بي حين وصلت، وكان يرحب بي بين الوقت والآخر حين تتاح له الفرصة، ولا يسألني شيئاً… بعدئذ ذهبت إلى المكان الذي كان مقرراً أن أبيت فيه.

عند الساعة الخامسة فجراً، أتى هذا الرجل، طلب مني اصطحابه. في الطريق، سألني لماذا سرت المسافات الشاسعة وأتيت إلى هنا، قلت له أنا صحافي، وأسعى إلى تعريف الناس بما يجري. كان حذراً، قال إن الصحافيين غالباً ما يكونون على علاقة بأجهزة استخباراتية، فما الذي يثبت لي أنك لست كذلك؟ قلت له إما أن تثق بي، وإما أن أعود من حيث أتيت، كما أني وللمرة الأولى آتي إلى هذه الديار ولا أعرف شيئاً عن جغرافيتها، كما أنكم تستطيعون أن تضعوا عصابة على عينيّ وتأخذوا احتياطاتكم، أنا لا أريد أن أعرف أسراركم العسكرية، أريد معرفة أسرار تفكيركم ورؤيتكم للصراع، أريد أن أفهم لماذا تقاتلون؟ وما هي نظرتكم المستقبلية لسورية؟ أخبرته أني دارس للشريعة الإسلامية وعلى اطلاع بعلومها، سألني بعض الأسئلة في علوم الشريعة، فأجبته. وصلنا إلى أحد المعسكرات في بساتين ريف دمشق. أدركت حينئذ أني وسط إحدى الكتائب الإسلامية، لكن لم يخطر ببالي أن أكون مع إحدى مجموعات (جبهة النصرة) التي يتحدث العالم عن سرية عالمها ووحشيته.

 

أبو مالك في بلاد الشام

اعترف لي أبو مالك أنه أحد أمراء جبهة النصرة، في بلاد الشام. كنت شغوفاً بالتعرف إلى هؤلاء الناس عن كثب، لكن في الوقت نفسه كان يساورني قلق رهيب. طلبت منه مقابلة مصورة فرفض لأسباب أمنية، قال: نحن لا نظهر على الإعلام… فقلت، لا بأس، نتحاور إذن، أريد أن أفهم كيف تفكرون، أريد أن أناقشك بشكل واضح وصريح، لكن يجب أن تعطيني الأمان، فما أنا سوى رجل أعزل بينكم… فضحك أبو مالك وقال: لك هذا، فالمسلمون أذلة في ما بينهم، قلت له قد أنشر يوماً هذه الحوارات، قال: لا بأس، وأتمنى أن تنقلها بأمانة وصدق… ناقشت أبا مالك على مدار أسبوع، اقترب الحديث في أحيان كثيرة من المواضيع الحساسة وكاد يتجاوز الخطوط الحمر… وهذه أبرز محاور النقاش:

 

عالم (القاعدة)

كيف يتحوّل العنصر إلى مكفّر لكل مغاير ومن ثم إلى قاتل باسم الله؟. ما هي أبرز الخلافات بين القاعدة والتيارات الإسلامية؟

هل القاعدة فكر واحد أم أجنحة وما أبرز الخلافات بين فصائلها؟

وكيف يتورط هؤلاء بلعبة أمم لا يدركون أبعادها؟

عماد فكر السلفية الجهادية أو القاعدة، كما يقول أبو مالك، هو فكرة الحاكمية التي نادى بها سيد قطب وأبو الأعلى المودودي. هدف الإنسان المسلم أن يسعى إلى تحرير بلاد المسلمين من المستعمرين وإقامة شرع الله وإرسائه في الأرض. قال تعالى: (إن الحكم إلا لله)، فأي تشريع آخر هو تشريع باطل، أما السبيل لإقامة شرع الله في الأرض فهو برأي أبو مالك الجهاد والقتال، وقد سميت سلفية جهادية لأنها تتبنى الجهاد وسيلة للتغيير، فكل من يؤمن بهذه الفكرة يصبح أخاً لنا في الدين.

أما الركن الثاني فهو الولاء والبراء، إذ يعتبر عناصر القاعدة أن كل من يعتنق هدا الفكر هو أخ مسلم ولا بد من موالاته ونصرته، وكل من يخالف هذه الاعتقادات فهو كافر ومرتد، ويجب البراء منه.

سألته، عفواً أبا مالك، لكن كيف دخلت أنت إلى عالم (القاعدة)؟ أخبرني أن صديقاً له اصطحبه مرات عدة إلى شيخ يدعى أبا محمد في الأردن، وبعدها اقتنع بأقواله بأن غاية وجود الإنسان على الأرض هي تطبيق هذه الرسالة السماوية والانضمام إلى هؤلاء الإخوة لإقامة شرع الله في الأرض.

 

ما هي الأهداف التي تسعون إليها؟

قال أبو مالك: إن الهدف الأساسي هو إقامة شرع الله في الأرض، لكن الأولويات تختلف من مكان إلى آخر قبل الوصول إلى هذا الهدف. فقد يكون الهدف طرد المستعمر، كما بدأ في الثمانينيات في أفغانستان مع المقاتلين العرب، وقد يكون الهدف استهداف المصالح الأجنبية كما بدأ الأمر في اليمن إبان التسعينيات، من تفجير للمدمرة كول عام 2000 وتفجير ناقلة فرنسية عام ،2002 إضافة إلى استهداف سياح بريطانيين وأستراليين في أبين عام ،1998 وقد يكون الهدف هو السيطرة على بعض المناطق، لإيجاد قاعدة للانطلاق وأماكن للتدريب والتجنيد، كما هي الحال في أفغانستان مع طالبان والقاعديين العرب.

 

الجميع كفّار؟

اليهود والنصارى والبوذيون واليساريون والعلمانيون والقوميون هم كافرون،برأي أبي مالك، ولا نقاش في ذلك. أما بالنسبة إلى الطوائف الإسلامية، فالشيعة كفرة وكذا الدروز، وفي ما يتعلق بالسنّة، فإن كل من يشارك في العملية الديموقراطية والتشريعات المدنية هو كافر، وكل من ينتخب نواب الأمة هو كافر، وكل من لا يكفّر من ينتخب هو كافر، ودليله على ذلك، قول الله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

فقلت له: يا أبا مالك، أمام هذه النظرية، فإن كل من هو مخالف لفكركم هو كافر. ولا يبقى أحد مؤمناً على ظهر الأرض سواكم، والرسول صلى الله عليه وسلم حدثنا أنه سيكاثر بأمته الأمم يوم القيامة، فقال أبو مالك: سيأتي يوم يعود فيه كل الناس إلى الإسلام الصحيح، حين تعود الخلافة إلى الأرض.

استطردت في النقاش قليلاً معه حول ضوابط التكفير… وبصراحة بدأ القلق يتسلل إلى داخلي خشية أن يصدر عليّ حكم بالتكفير في نهاية المطاف… فبالطبع لن يتوافق كلامي مع كلامه… هنا عدت وأخذت ميثاقاً من أبي مالك ب (أن يفسح صدره لي، حتى لو وقعت في الكفر، فما أنا سوى طالب علم أسعى إلى معرفة المزيد عن حقائق ديني). فضحك أبو مالك، وقال: لا تحزن أيها الصحافي، فديننا يدعو الناس إلى الله بالتي هي أحسن… فقلت بالتي هي أحسن! فماذا تقول عن صور القتل الشنيعة التي تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي، من قطع للرؤوس وأكل للقلوب… فقال: هذا استثناء وتصرفات شاذة ولا يتفق عليها كل تيارات (القاعدة)، وسأفصل لك الحديث في ما بعد. قلت له: سنناقش هده النقطة بالتفصيل، لكن بعد أن أنتهي من موضوع التكفير، لأنه موضوع خطير، وعليه تبنى الكثير من الأحكام والسلوكات الغريبة.

قلت له: لنضع أولاً بعض الضوابط قبل الخوض في الموضوع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كفّر مؤمناً فقد كفر. وفي هذا تحذير كبير للتريّث قبل تكفير أي إنسان. وقلت له إن المعلومات التي استقيتها من دراستي للشريعة الإسلامية في الأزهر تقول إن كلمة الكفر التي وردت في القرآن والأحاديث الشريفة لا تعني بمعظمها الخروج من الملة، بل هناك كفر دون كفر.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن… فالزنا بالطبع ليس مخرجاً للإنسان من الدين بل هو معصية، فالمقصود ليس بمؤمن أي ليس مكتمل الإيمان… وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العهد بيننا وبينكم الصلاة، فمن تركها فقد كفر، وقال: من حلف بغير الله فقد أشرك، فهذا كله كما يقول علماء الشريعة الكبار كفر دون كفر ولا يخرج من الملة. فالبخاري عنون أحد مباحث كتاب الصحيح: باب كفر دون كفر. وهذا الكفر يسمى كفر المعصية وليس كفر العقيدة ولا يخرج من الملة، بل سمي كفراً لترهيب الإنسان المؤمن وتخويفه حتى لا يتجاوز ويقع في كفر العقيدة، لأن هذه المعاصي إن لم يتنبه إليها الإنسان فقد تصل به إلى الكفر الأكبر.

قلت له: إن علماء التفسير قالوا: إن الكفر الذي ورد في الآية: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، هو كفر دون كفر وليس كفراً مخرجاً من الملة. لأن الله قال: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). فقاطعني أبو مالك، وقال لي، لكن، إن كان يعتقد أن الشرع المدني هو أفضل من شرع الله فهذا كفر صريح، قلت له: سأسلم لك بهذا، ولكن كيف تعرف حقيقة اعتقاده، مادام الاعتقاد هو قناعة موجودة في العقل والقلب؟ كيف ستكشف عن قلبه؟ وقلت له: حتى لو كان الأمر كما تقول فهو موضوع خلافي، ولا يجوز أن تكفّر إنساناً إلا إذا خالف أمراً قطعي الثبوت والدلالة. إضافة إلى ذلك، فالرسول يقول: (من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة) ألا تكفي كلمة التوحيد للعصمة من الكفر، خصوصاً أن الكثير من الناس عوامّ، وليسوا مطلعين على فكر الشريعة وتفاصيلها.

ثانياً: بالنسبة إلى طريقة إقامة شرع الله، فليس باعتقادي أن الطريق الأسلم هو العنف، فالرسول صلى الله عليه وسلم مكث ثلاث سنوات في مكة يدعو إلى الله سراً، ولم يقاتل قريشاً إلا بعد أن ذهب إلى المدينة وبادروه بالقتال، فالعنف لا يولّد إلا العنف، كذلك فإنه يصنع بيئة معادية للإسلام ويسمُ المسلمين بالإرهاب والناس يخشون منهم، ويترتب على ذلك مفسدة أكبر من المصلحة. القتال مشروع في الإسلام للدفاع عن النفس وطرد المستعمر ومحاربة الدكتاتوريات، أما إقامة شرع الله فتكون بالدعوة والتعليم والانتخابات وإقناع الناس وبالأطر السلمية. ضحك الرجل، وقام من مكانه وبدأ يسير بين الأشجار، أمسك حجراً بيده ورماه في بركة ماء أمامنا، قال بنبرة حادة، استيقظ من أحلامك أيها الصحافي! هل تظن أنه سيسمح للإسلاميين إذا انخرطوا بالعملية السلمية بالتغيير إن وصلوا إلى السلطة، وإليك مثالين باديَين أمامك في الجزائر بداية التسعينيات والآن في مصر. هم فقط يسمحون للإسلاميين بالدخول إلى العملية الانتخابية لاستيعابهم، ولكن حين يخرج الأمر من يدهم ينقضّون عليهم وينكلون بهم ويضعونهم في السجون، والعالم كله متآمر معهم. التغيير لا يتم إلا إذا كان معك قوة، فالحق يحمى بالسيف.

 

عن «الحياة»

العدد 1140 - 22/01/2025