الإمبراطورية الأمريكية من القوة إلى الانحلال

يتميز المفهوم الإمبراطوري بغياب الحدود، إذ لا يعرف الحاكم الإمبراطوري أي معنى للقيود أو التخوم، ويفترض أول ما يفترض وجود نظام يقوم عملياً باحتضان الكلية المكانية، أو يمارس فعلاً حكم العالم (المتحضر) كله، ما من حدود إقليمية تقيد سلطان نظامه، ويقوم هذا المفهوم لا بوصفه نظاماً تاريخياً ناجماً عن الغزو والاجتياح، بل باعتباره نظاماً يتمكن عملياً من إيقاف التاريخ وصولاً إلى تثبيت أحوال الأمور إلى الأبد.

وبما أن هدف حكمها هو الحياة الاجتماعية بكليتها فإن الإمبراطورية تمثل الصيغة الأنموذجية للسلطة الحيوية، وهذا المفهوم يبقي الإمبراطورية غارقة على الدوام في بحر الدماء، ومكرساً باستمرار لمصالح القوى المعادية للسلام. وهذا هو حال الإمبراطورية الأمريكية التي تتمتع بقدرات هائلة على الاضطهاد والتدمير، وتملك نحو 48% من ثروة العالم، وتعد أقوى دولة من حيث القوة التسليحية، ولديها قوة تقدم علمي خارقة تعطيها القوة، جعلتها تتصدر قيادة العالم وتمارس الغطرسة والهيمنة على معظم شعوب العالم. ولكن إلى جانب عوامل القوة تعاني الإمبراطورية من عوامل التفسخ والانهيار المتمثلة في ارتفاع نسبة الإجرام والإدمان والمخدرات والتمييز العنصري بين مواطنيها، وانتشار ظاهرة الاغتصاب والاعتداء الجنسي، وخاصة بين أفراد قواتها المسلحة، وكثرة حالات الانتحار والعنف في المجتمع وخاصة عند الأطفال والشباب، واتساع رقعة الفقر والجوع، إذ يوجد فيها نحو 49 مليون جائع، إضافة إلى تحالفها مع، ودعمها للكيان العنصري الصهيوني، وتجاوزها لكل القرارات الدولية فيما يتعلق به، وممارستها التجسس على دول العالم كلها وخاصة أصدقاءها الأوروبيين.

إلى جانب اعتمادها على التطرف والحقد على الشعوب الأخرى، وتسويق مفهوم الأصولية الأكثر ابتذالاً وسلبية، لأنها ظاهرة محض دينية تلبس لباس الطائفية في حالات غير نادرة، فتبدو مثل (لعنة) تلصق بهذه أو تلك من طوائف هذا المجتمع أو ذاك، أي نشر المفهوم الطائفي (اللعين والملعون) للأصولية، واعتبارها ظاهرة (عالم إسلامية) إن لم تكن مرادفة للشريعة الإسلامية لدى عدد كبير من صقور المحافظين الجدد الحاكمين في البيت الأبيض والبنتاغون الأمريكي، المفهوم المبتذل، الذي عبر عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش جلياً عندما توعد في وقت سابق، ومن على متن طائرته شعوب العالم الإسلامي، بحرب (صليبية)، ستبدأ دونما نهاية مُجَدوَلة. إنها تمارس سياسة تتعارض مع الحقيقة الموضوعية، حماسة عمياء لعقيدة متغطرسة تدّعي امتلاك الحقيقة، واتهام الآخرين بالخطأ. وترفض الحوار مع الآخر، ولا ترى إلا فكرة واحدة، فيكون تفكيرها واستدلالها دائماً خاطئاً، بل ويكون هشاً ضعيفاً، لا يستطيع مقاومة المنطق الاستدلالي للأفكار الأخرى، وبالتالي تلجأ لاستخدام العنف بأشكاله كافةً لفرض أفكارها ومعتقداتها على الآخرين، وهي بذلك تنسف سمتين أساسيتين للمعرفة العلمية وهما: النسبية والتراكمية.

ويمكننا القول: إن ظاهرتي التطرف الديني (الأصولية) والعولمة، اللتين هما صناعة أمريكية، كلتاهما تستفرد بالحقيقة، حين تعلن أنها وحدها تجسدها وأن (الآخر) خارج عن (الدائرة)، دائرة الحقيقة، أولاً، وخارج عليها ثانياً. فالمتطرفون الدينيون يتحدثون عن معادلة تقوم على (المؤمن والكافر)، وبالتالي عقابه وتدميره والعولمة تتهم كل من لا بخضع لها بأنه إرهابي يجب تدميره، فهما ينظران إلى موضوعهما بوصفه فوق التاريخ، العمومي العادي، وبالتالي نكون أمام ظاهرتين (التطرف الديني والعولمة) كلتيهما تنكر مبدأ (شرعية التعددية) بشتى حقولها ومرجعياتها الثقافية والحضارية والفكرية والحزبية والقومية وغيرها.. وبالرغم من ذلك فقد بدأت تتزايد حالات العداء للسياسة الأمريكية ليس فقط من قبل الشعوب المضطهدة، بل من قبل الكثير من كبار المفكرين الغربيين، وذلك نتيجة سياسة الغطرسة التي تمارسها، فأخذت تسود نظرة أن أمريكا تتطور من البربرية إلى الانحلال دون ملامسة الحضارة. ويرى كل من مايكل هارت، وأنطونيو نيغري (أن عملية الانتقال إلى الإمبراطورية وسيرورات عولمتها، توفر إمكانيات جديدة لقوى التحرر والتحرير، وبالطبع فإن العولمة ليست شيئاً واحداً، فالقوى الخلاقة للجماهير التي تمكّن الإمبراطورية من البقاء قادرة، في الوقت نفسه، على المبادرة بصورة مستقلة إلى بناء إمبراطورية مضادة، إلى إقامة تنظيم سياسي بديل لعمليات التدفق والتبادل العالمية. وهكذا فإن النضالات التي تعارض الإمبراطورية وتسعى للإطاحة بها تتقدم، جنباً إلى جنب، مع نظيرتها الهادفة إلى بناء نظام تجري وتجري على الساحة الإمبراطورية نفسها. وبالفعل فإنه في مثل هذه النضالات المشابهة سيتعين على الجماهير أن تبدع أشكالاً ديمقراطية جديدة، وقاعدة قوة جديدة، ستكون قادرة يوماً على نقلنا عبر الإمبراطورية إلى ما بعدها).

والظاهرة الجديرة بالاهتمام هي تصدّي بعض المفكرين الأمريكيين للسياسة الأمريكية الإمبريالية المتوحشة، مثل بول فندلي في عدة كتب منها (لا سكوت بعد اليوم) الذي خاطب فيه الكاتب مواطنيه المسيحيين، كما خاطب مواطنيه المسلمين، وهو يحضهم على الانتقال إلى مواقع التصدي لهذه السياسة، وكان قد نشر كتابه الهام (من يجرؤ على الكلام) الذي يلقي الضوء على القوى الصهيونية الضاغطة في أمريكا، ومدى تأثيرها في صناعة القرار.

ويأتي المفكر الأمريكي بول كندي ليقول (أمريكا دولة استعمارية)، وقد صدر له كتاب عام 1988م بعنوان (صعود وسقوط القوى العظمى)، وله كتاب آخر هو (الاستعداد للقرن الحادي والعشرين)، وآخر أعماله (برلمان الإنسان)، وهو يرى أن أمريكا الآن في حالة توسع استعماري، ويرى أن القوة العظمى تتوجه إلى الانحدار إذا ما توسعت في استخدام قواتها العسكرية بأكبر من إمكاناتها الاقتصادية، وأمريكا تسير في طريق الانحدار بسبب عدة عوامل، منها عجز الموازنة، والميزان التجاري.ويرى أن القوى الاقتصادية تسير يداً بيد مع القوى العسكرية، فإذا أصبح اقتصادك أقل تنافسية، فإن ذلك يعني في المدى البعيد عدم القدرة على الحفاظ على الوضع العسكري المتميز عالمياً، واعتبر أن وضع الدولة في زمن السلم لا يقل أهمية عن أدائها في زمن الحرب، وركز على أهمية الأساس الاقتصادي للبناء العسكري، فالثروة مطلوبة لدعم القوة العسكرية، كما أن القوة العسكرية ضرورية لحماية الثروة، غير أنه إذا تحول جزء كبير من موارد الدولة من عملية خلق الثروة إلى الأهداف العسكرية، فإنه من المحتمل أن يؤدي هذا إلى إضعاف القوة القومية على المدى الطويل.

ويحذر الخبير والمحلل الاقتصادي ما يكل سنايدر أمريكا من انهيار مالي كبير. ويرى كثير من الخبراء أن الانهيار الحقيقي للاقتصاد الأمريكي أمر لا مفر منه، وأن الأزمة المالية التي حصلت عام 2008 رغم فظاعتها، ستكون أبسط بكثير مما ستشهده في المستقبل القريب. كما أكد المؤرخ التشيكي دوشان ترشيشتيك أن الإمبراطورية الأمريكية لن تصمد طويلاً لأنها تتصرف بشكل سيئ وكارثي. وهذا ما يؤكده المفكر ماثياسثباتغ- المستشار السابق لرئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد – لأن اقتصادها قائم على اقتصاد الحرب، ونهب الشعوب.

 ويدق الكاتب مارتين وولف ناقوس الخطر في مقال له في صحيفة الفايننشال تايمز بقوله (إن الولايات المتحدة الأمريكية تعبر حالياً في الممر المريح نحو الخراب، مما يتسبب بتقويض مصداقيتها، والدور العالمي الذي تلعبه عملتها).

 كما أكد بريزنسكي في كتابه (الفوضى) عدم قدرة أمريكا على القيام بدور الشرطي أو المصرفي للعالم وحتى الأخلاقي الكوني. وفي كتابه (إمبراطورية الخوف) يحذر بنيامين بارير من السياسات الأحادية لواشنطن حيث العمل المنفرد، والحرب الوقائية، وتغيير أنظمة الحكم بالقوة العسكرية أطاحت بالقانون، كما أن تعميق الخوف في نفوس الأمريكيين يجعل أمريكا إمبراطورية الخوف، ويجعلها تلجأ إلى إدارة العالم بالسلاح والفتن. ويؤسس بنيامين باير نظريته على أن مستقبل الإمبراطورية الأمريكية لا يشير إلى أنها ستعيش طويلاً، لأنها لا تلتزم بالقانون والعدالة، ولا تعترف بحقوق جميع الدول والشعوب، وتؤمن بالهيمنة. وفي كل الأحوال فإنها لم تعد الدولة الأقوى، وولى زمن القطب الأوحد، وها هي ذي الصين تتقدم بخطاً واثقة، وكذلك روسيا ودول أخرى. كل ما تقدم ألا يعطينا الأمل بأن إمبراطورية الشر في طريقها إلى الانهيار؟!

العدد 1140 - 22/01/2025