الجنون وفقدان الذاكرة

ليس المقصود بالجنون ما يصيب خلايا الدماغ من إتلاف، وأن الشخص لم يعد  يمتلك القرار بنفسه، وكل شيء يصبح خارج إرادته. وقد يصل الأمر به إلى أن يفقد ذاكرته ويتحوّل إلى (قاتل).

اليوم .. وفي كل يوم حديث الساعة والدقائق والثواني بين المواطنين عن جنون الأسعار. وقد كُتبتْ في جريدة (النور) والصحف المحلية عشرات المقالات والتحقيقات عن هذا الجنون، الذي أدَّى إلى تفشي الرُّعب بين المواطنين.

ومن يتجرَّأ ويغامر ويذهب إلى السوق فعليه أن يضع حبّة دواء تحت لسانه، وأن يبلع حبَّة أسبرين عيار 162 كيلا تتخثَّر دماؤه ويصاب بالجلطة القلبية أو الدماغية.

وعند عودتي من العمل أوجّه بصري إلى أكوام البطيخ (الأخضر والأصفر)، وأقول في نفسي عندما يصل سعر الكيلو إلى 20 ليرة سأتجرَّأ وأبتاع (جبسة) تنطح  أقوى ثور (نفطي) في المنطقة.. المفاجأة أن الأسعار فقدت عقلها تماماً، وتضاعفت يوماً بعد يوم بشكل مذهل، بينما التجار يتضاحكون لأنهم نتفوا رياش المواطنين وتركوهم عراة، جيوبهم خاوية وقلوبهم ذاوية، ورؤوسهم حانية. وفي صباح ومساء كل يوم، وفي التوقيت نفسه يدوّي صوت البائع الجوال على (الطرطيرة). ويظل صراخه يدوي في أذني طوال الليل.. وسرعان ما ينطلق السؤال ويتحرك بحرية في ذاكرتي.. ورغم محاولاتي قمعه واضطهاده وفرض حالة الطوارئ  عليه ومنعه من مغادرة المكان، إلاَّ أنني وبرغبة مني في عدم  الاحتفاظ بالأسرار، فأبوح بها إلى أمّ العيال التي كانت تراقبني بدقة وحذر، وتحاول تجنب إثارتي وعصبيتي وهيجان أفكاري، عندما أحكي لها عن جنون الأسعار. لكنها قلّدتْ جارتنا الموظفة من الدرجة الأولى، وابتاعت بطيخة دون مشورتي. وكان فرحي عظيماً دفعتُ ثمنه غالياً جداً وتورّد خدَّاي، إلاَّ أن  زوجتي الصابرة خافت من هذا التورد، الذي لم يحصل معي منذ عقد من الزمن، واقترحت عليَّ قبل أن تذبح البطيخة أن ألتقط لها صورة تذكارية.. وفعلت..!  وقلت لها: ذكرتني البطيخة بنظرية الرئيس القذافي (الخضراء): وقد وصفها أحد المنظرين الثوريين بأنها تشبه البطيخة فهي (خضراء من الخارج وثورية حمراء من الداخل). وتكاثف اطمئناني في  صباح اليوم التالي، وضحكتُ حتى (انفزرت) خاصرتي اليسرى وتشققت شفتاي، حينما سبقني صديقي الكاتب الساخر البارع في هذا الجنس الإبداعي، واشترى عشر لوحات من معرض رسام مشهور. وتمثل هذه اللوحات عشرة أنواع من الفاكهة.. وقال لي دون سخرية: (إن العيون هي التي تأكل في زمن الجوع والجنون).. وإذا اشتهيت أي نوع من الفاكهة فسأستقبلك أنت وأسرتك أجمل استقبال وفي أي وقت. وسأقدّم لكم أطيب الأنواع ، وهي وجبة من اللوحات (الفاكهية) من حقل الذاكرة، فتشبع عيونكم وترتوي قلوبكم وتنامون وأنتم تتحسسون جيوبكم التي لم يخرج منها قرش واحد!

اقترح صديقي الذي أعتز بصداقته التاريخية المزمنة المعتَّقة كالنبيذ الفرنسي، أن نأخذ الصور التذكارية للأسرتين معاً. وحين يشتهي أحدنا فاكهة ما فما عليه إلاَّ أن يفتح الألبوم ويتلمس الصور بأصابعه وأهداب عيونه وربما بلسانه!

لم أنفّذ نصيحة صديقي وغامرت في ذلك المساء التموزي، وابتعتُ بطيخة زنتها أحد عشر كيلوغراماً، ودفعتُ ثمنها مرغماً 440 ليرة سورية… وقبل أن أضعها في البرَّاد أخذت لها صورة على جوَّالي، فاخضرّت ذاكرتي وتجددت خلاياها.. ولم أخرج عن نصيحة زوجتي الطبية التي مللت من كثرة ما كررت على مسمعي نصائحها الحمراوية وهي (أن الفاكهة والخضراوات الحمراء تقي الإنسان من الأمراض الخبيثة). عندئذ هتفتُ في نفسي وأنا أرفع راية الاستسلام وتساءلتُ: هل يوجد أخبث من مرض جنون الأسعار..؟!

العدد 1140 - 22/01/2025