نزهة ونزيهة ونزاهة…!

لا أعلم لماذا تنتابني حالة من القشعريرة والقرف كلما سمعت أو قرأت خبراً يتعلق بقرار حكومتنا صرف موظفين في هذه الوزارة أو تلك الدائرة لأسباب تتعلق بالنزاهة، فيتبادر إلى ذهني سؤال يتعلق بمصير هؤلاء بعد طردهم من مراكزهم الوظيفية.

أحد هؤلاء المعزولين من مركزه الوظيفي لأسباب تتعلق بالنزاهة كُفّت يده عن ممارسة عمله رئيساً لإحدى البلديات. وقد لقي هذا القرار ارتياحاً لدى كل المواطنين الذين لا يملكون مبالغ يقدمون قسماً منها لرئيس البلدية هذا، كي يقيموا ما أرادوا من مخالفات وعقارات، في حين لقي هذا القرار استهجاناً ممَّن امتلك وقدّم وخالف.

من المؤكد أن قرار العزل الذي تأخذه الحكومة بحق هؤلاء الفاسدين يكون مبنياً على إثباتات وقرائن وأدلة، وإلاّ لا يمكن أن يصدر قرار كهذا، وبناء عليه نستغرب لماذا لا يلاحق هؤلاء المرتكبون والمرتشون والمخالفون؟! لماذا تضج بهم المطاعم وأماكن النزهات وهم يقضون أوقاتهم الجميلة مع عائلاتهم في مواقع سياحية وأماكن اصطياف، وبسياراتهم الفارهة أحياناً التي حصلوا على ثمنها من المال العام والرشا؟!

صاحبنا رئيس البلدية المذكور حَسبها (صح) كما يتفاخر أمام من يلتقيه ويتحدث عن فرصة العمر التي أتته على طبق من ذهب، عندما ووفق على ترؤسه للبلدية المذكورة، فلم يوفر شيئاً مهما قلّ شأنه أو قيمته، فهو يدرك تماماً – والكلام ما يزال للمخلوع بسبب النزاهة – أنه لن يطول به المقام في مركزه الوظيفي، فاستثمر كل فرصة يمكن أن تعود عليه بالمنفعة. وهكذا وبعد أربع سنوات تقريباً كان يملك ما يزيد على أربعة ملايين ليرة، وهو الذي دخل البلدية (إيد من قدام وإيد من ورا) كما يقال!

وبالعودة إلى البداية فالشيء المضحك في الأمر والذي لا يمكن لعاقل أن يتحمله هو قيام المصونة زوجته النزيهة بقيادة السيارة التي حصلوا عليها من الرشا والسرقات، وتفاخرها بأنها تنوي استبدال سيارة أكثر تطوراً ووجاهة بها، فهي من عائلة تليق بها السيارات الفارهة!

بعد هذا ألا يحق لمواطنينا أن يسألوا حكومتنا الحريصة على ملاحقة الفاسدين عن الإجراءات التي تلي فصل هؤلاء من مراكزهم الوظيفية بعد أن تثبت إدانتهم واستغلالهم لكرسي الوظيفة؟! وإذا كانت الحكومة تكتفي بصرف هؤلاء المتخمين من مراكز عملهم ليقوموا بعد ذلك باستثمار الأموال التي سرقوها وبمتابعة أعمالهم في أكثر من قطاع ومكان، فهل تنتظر أن يكون الخلف إلاّ كما كان السلف؟! ألا يفترض أن يحال هؤلاء الفاسدون إلى المحاكم الاقتصادية وبالسرعة القصوى ليعاقبوا على ما ارتكبوا من مخالفات، وما تسببوا به من ضياع للمال العام الذي هو ملك للدولة وملك للشعب؟!

المتابع يلاحظ أنه بعد انقضاء مرحلة الهمّة النظرية الحكومية تجاه وضع الفساد وقضاياه النظرية في التداول اليومي وحديث الشارع، بدأت مرحلة من صمت في تداول قضاياه علناً، على الرغم من ظاهرة لافتة للنظر عملياً هي صرف مئات من العاملين من الخدمة في القطاع العام في إطار عمليات مكافحة الفساد والخلل.. ويمكن ملاحظة أنّ بعض الدفعات التي أعلنت الحكومة عنها من العاملين المصروفين تبلغ في الدفعة الواحدة 200عامل أو 199 عاملاً أو 127 أو أكثر أو أقل.. ومن دون أي تناول حكومي للحديث عن هذه الظاهرة وكشف الأسباب والملفات التي استوجبت هذا الصرف.

هل ننتظر اليوم الذي تفتح فيه سجلات هؤلاء المرتكبين والفاسدين ليحاسبوا ويعاقبوا على ما اقترفت أيديهم القذرة من عبث بموارد هذا الوطن؟! هل تتحقق العدالة الفعلية على كل من ارتكب وخالف وباع وتاجر بمقدرات هذا الوطن؟! إلى متى ستكتفي الحكومة بقراراتها القاضية بصرف البعض من عملهم لأسباب تتعلق بالنزاهة، لتريحهم من الالتزام بالدوام الوظيفي ليتفرغوا لاستثمار أموالهم ومتابعة أسعار الصرف ساعة بساعة؟!

وحتى اللحظة فإنّ التعامل مع قضايا الفساد والفاسدين والملفات التي كشفت وأدت إلى إجراءات (صرف من الخدمة لأسباب النزاهة) وإحالة إلى القضاء تتم بعيداً عن أي مكاشفة سوى ذكر سبب عام لا يلبي فضول  الناس ولا يحقق حالة ردع اجتماعية تجاه مظاهر الفساد، إذ دائماً اللاشفافية هي الحالة المرتبطة بمظاهر الفساد والمواطن الشريف الذي ملّ من الصراخ ومن انتظار مكافحة الفساد، وهو يحلم اليوم بأن يرى أصحاب الكراسي التي تفوح منها رائحة الفساد والإفساد، أن يراهم وهم يقفون خلف القضبان بعد أن حُجز على أموالهم المنقولة وغير المنقولة. فهل من صدى لهذه الأصوات، أم أن مشكلة المواطن الشريف أنه لا صدى لصوته مهما ارتفع ومهما كان قوياً وحاداً؟!

العدد 1140 - 22/01/2025