الشباب هم محرّك التحوّل الديمقراطي
كل الحركات السياسة تؤمن بأن الشباب هو محرك التحوّل الديمقراطي الذي لا يمكنه أن يتحقق سوى بحضورهم فكراً وجهداً. لكن على مستوى الواقع نُلاحظ عزوفاً واضحاً لأولئك الشباب عن المشاركة السياسية التي تُعتبر أحد مبادئ الديمقراطية وأداة لتحقيق الحرية السياسية في صنع القرار وفي رسم الخريطة السياسية. أسباب كثيرة جعلت الشباب يقف موقفاً حياديً حيال الحركات السياسة رغم إدراكهم للواقع ومعرفتهم التامة بما يجري على الأرض، ولعلّ أهم هذه الأسباب:
أولاً- الإرث التاريخي: بخصوص الممارسة السياسية، مما جعل الأُسر تخلق من المشاركة السياسية فزاعة لتخويف أبنائها من متاعب هذه المشاركة.
ثانياً- انتشار البطالة: لاسيما في أوساط الشباب، ما جعل معاركهم تأخذ طابعاً اجتماعياً، إضافة إلى انتشار الفقر والأمية في المناطق النائية، وهذا ما تجلى في انخراط المئات منهم في حركات احتجاجية اجتماعية تُطالب بالتشغيل وصون الكرامة.
ثالثاً- انتشار الفساد وتمييع العمل الحزبي، واستشراء كل الممارسات المشينة التي تسيء للعمل السياسي، وغياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، مما جعل عنصر فقدان الثقة في العملية السياسية يؤدي دوراً هاماً ورئيسياً في صعوبة استقطاب الشباب.
رابعاً- الهجرة، ذلك الهدف الأساسي والحلم الكبير لمعظم الشباب، للتخلّص من مخاطر الحرب، كذلك للوصول إلى تحقيق الذات سواء بالعلم أو بالعمل أو حتى الإحساس أنك إنسان موجود.
هذه طبعاً أسباب تتردد بين جيل من الشباب حول دور السياسة، وخاصة في ظل الواقع المُتغيّر للصراع على أرض سورية ما بين مع وضدّ.
فإذا كانت طاقة وقوة الشباب وقواهم هي رأسمال كل مجتمع، فقد أضحى من الأهمية بمكان الاستجابة لمختلف تطلعات الشباب الذين يُشكّلون شريحة واسعة من القاعدة السكانية، ومن جملة هذه التطلعات تحقيق شروط العيش الكريم والمواطنة والكرامة والعدالة الاجتماعية، مع أهمية ردّ الاعتبار لمجموعة من المؤسسات والقنوات التي كانت تساهم في تفعيل دور الشباب وتوجيههم للسير نحو مستقبل شبابي بامتياز، من خلال تنظيم حوار وطني موسّع حول قضاياهم ومستقبلهم، وخلق مؤسسة أو وزارة أو هيئة للشباب تعمل على رسم منظور عام واستراتيجية وطنية تؤسس لسياسات عامة في مختلف المجالات، وتُمكِّنُهم من طرح وجهات نظرهم الرئيسية ومعالجتها، مما يُعزز انخراط الشباب في مسارات تحولات المجتمع وإصلاحات الدولة بشكل واعد.
ومما لا يخفى علينا أن الشباب السوري لعب دوراً هاماً في بداية الأزمة السورية، ولاسيما خلال الأشهر الستة الأولى، وذلك نتيجة مراقبة ما يسمى الحراك والثورة في الدول الشقيقة مثل (تونس، وليبيا، ومصر) لكن مع تفاقم الصراع والنزاع واستغلال أطراف من الخارج الوضع الشبابي في سورية وحراكهم تراجع دور الشباب ومسهمتهم في الوضع السياسي واختلفت رؤيتهم للسياسة.
هذا الكلام طبعاً لا يقلل من احترام حماس الشباب وتضحياتهم، ولكن بالحماس والاندفاع فقط لا تنتصر الثورات. بالمقابل لا نستطيع إلقاء اللوم على الشباب، فغياب الحياة السياسية والعمل المؤسساتي المنظم هو الذي جعل الشباب لا يعون أن السياسة هي علم لا بدّ من إتقانه، وأول مبدأ في هذا العلم هو الاستفادة من تجارب الآخرين وعدم تكرارها. عموماً إن مستويات المشاركة وخاصة لجيل الشباب تزداد مع ازدياد الرغبة في التأثير وكذلك في التغيير سعياً لواقع أفضل باستخدام طرق غير تقليدية للتأثير على السياسة العامة.
هذه رؤية لواقع شبابي وجيل جديد من نتاج الأزمة، فحال من عاش مراهقته وشبابه في الأزمة تقريباً واحدة، وهي الرغبة في الحياد بحثاً عن مستقبله خارج سياج القمع السياسي والبطش الثوري والقتل بدافع التطرف الديني، والنظر نحو المهجر تحت سقف الحرية في أوربا وغيرها من دول الغرب. إن حال كهول السياسة واستغلالهم لنشاط الشباب الواعد وحيويتهم ومراهقتهم, كحال كل البلاد العربية التي ظنّت أن الربيع العربي أزهر بيد شبابها، ولكن للأسف تبيّن أنه قُطف على يد كهول الواقع السياسي ممن ظنوا أنهم سيحصدون محصولهم السياسي القديم, لكن للأسف حُرق المحصول جديدة وقديمة على يد أطراف النزاع الخارجية وتغيّرات سياسات القوى العظمى تبعاً لمصالحها.