مونديالهم ومونديالنا

في المونديال الكروي أدوار: أول وثانٍ وربع نهائي ونصف نهائي، ثم تأتي المباراة النهائية التي يُقصي طرفٌ منها الطرفَ الآخر، ثم يتبادلان القبلات، ويُسدَل الستار على شهرٍ من المتعة والأناقة مع قليل من العنف.

في المونديال السوري الطويل دورٌ واحد، لا فائز فيه، ولا منتصر،وخاسرون بالجملة، شعبٌ بأكمله يمضي إلى الخسارة. في مونديالنا، فرصٌ ضائعة بالجملة والمفرق، وتسلّلات يتم التصدي لها وكشفها، وتبادل كرات ومنافع بين المتحاربين.. ثم.. لا يسدل الستار على سنوات عجاف من العنف والخراب والحرائق!

***

في مونديال البرازيل الجمهور يدفع ألوف الدولارات ليشاهدها مباشرة (لايف) على المدرجات، ويدفع مئات الدولارات أيضاً ليحصل على بطاقات التشفير لمشاهدتها على الشاشات، مع استثناءات منها سورية ونيجيريا، سورية التي تقوم فيها قناة (دنيا) بإتاحة الفرصة مجاناً لضحايا المونديال السوري بمشاهدة المونديال البرازيلي، حتى من لا يملك منهم أجهزة ستالايت يستطيع مشاهدة المباريات وتزجية وقته بها، مع فواصل منشطة من القصف المتبادل وصوت الطيران والمدافع وسيارات الإسعاف ورصاص القتل أو رصاص التشييع أو الابتهاج..

ونيجيريا التي تشترك مع سورية بوجود تنظيم بوكا حرام (النسخة النيجيرية من داعش) إذ تقوم قناة دنيا النيجيرية بنقل المباريات مجاناً لهواة الصنف من ضحايا الصراع الأعمى هناك أيضاً..

في المونديال السوري يدفع الجمهور الخائف ألوف الدولارات ليستطيع الهروب من المدرجات، لأن معظم ضحايا المونديال هم سكان المدرجات، يهربون من (متعة) القتل اليومي إلى بلدان الحلم الأوربي حيث اللجوء الإنساني يفتح ذراعيه للسوريين، أو إلى مخيمات الذل في البلدان المجاورة.

***

 مونديال البرازيل فيه حكم ساحة وحيد، وحكما تماس وحكم رابع، أي يبلغ مجموع الحكام أربعة فقط لا غير، مع مراقب من (الفيفا) يكتفي بكتابة تقريره ولا ينزل إلى أرض الملعب كلما نكزه وحش الشهرة وعرض العضلات ليظهر للجمهور أنه مسؤول وصاحب كلمة، كما كان يحصل في الدوري  السوري الكروي، أيام  كان هناك دوري وجمهور ومدرجات، بعد كل علقة ساخنة بين اللاعبين أو بين جمهوري الفريقين، فقد كان ينزل مسؤولو اتحاد الكرة وأولادهم وبناتهم وأبناء العمومة والخؤولة والمسؤولون الموجودون في المنصة، لحل الإشكال فيما (يتخوصر) الحَكَم وهو يتفرج على (الكباريّة) يحلّون الإشكال بتبويس الشوارب ويحيون الجمهور الذي يبدأ بالهتاف لهم: (واح واح) على قول أسعد وجودة في (ضيعة ضايعة).. وطبعاً تنتقل كاميرا التلفزيون خلال العلقة إلى بث أغنية وطنية، إو إلى نقل مشاهد طبيعية من أرضنا الخضراء ريثما تحل المشكلة، حتى لا يفرح الأعداء والمتآمرون برؤية لاعبينا وجمهورنا يختلفون ويتقاتلون..

في المونديال السوري يتجاوز عدد الحكام أعداد اللاعبين، أقصد المتحاربين، والحكام هم محللو الشاشات الذين يتكاثرون بالانشطار، والمواطنون الذين لم يكلفوا خاطرهم يوماً بقراءة صفحة في جريدة، فضلاً عن كتاب في أي مجال، حتى لو كان كتاب ماغي فرح مثلاً، هؤلاء الإخوة المواطنون أيضاً أصبحوا حكاماً للساحة والتماس معتمدين على ما تبثه لهم الشاشة التي تقول ما يعجبهم أساساً، ويتسمرون أمامها ليل نهار بعد أن يقوموا بكل حماسة واقتدار بحذف القنوات الحقيرة التي تبث ما يخالف أهواءهم وتوجهاتهم من الجهاز، ثم تبدأ الدبكات الفكرية والسياسية بين الفريقين، مؤيد ومعارض، شبيح ومندس.. إلخ.

هنا يكون الوجه الآخر السلمي لمباريات الدم والموت في ساحات الوغى، والقتلى سوريون، والقتلة سوريون.. والجمهور والحكام والمتفرجون سوريون.. فقط من ينظمون المونديال ليسوا سوريين، ولا يريدون لهذا العرس الدموي أن ينتهي.

***

 في مونديال البرازيل ليس في الملعب سوى عشرين لاعباً يلاحقون كرة هواء،  وحارسي مرمى يقفان بين الخشبات يدافعان عن عرين الفريق.. يقودهم خلف الخطوط مدرب (كهل غالباً) يبقى طوال المباراة يصرخ وهو يعطيهم التعليمات، فيما يقودهم في الساحة كابتن الفريق.. والقانون الذي يمثله الحكم يسود على الجميع.

في مونديالنا المقيت مئات ألوف اللاعبين مزودين بجميع صنوف الأسلحة الفتاكة المحرمة وغير المحرمة، لكل مجموعة منهم مدرب وكابتن وقانون للعب يسنونه هم أنفسهم وينفذونه.

لا حراس مرمى هنا، بل لا مرمى هنا.. الوطن كله مرمى لأهدافهم التي تأتي متلاحقة كزخّ المطر، فيما تعلو صرخات الوطن: كفى لعباً..كفى جنوناً.. أوقفوا القتل.. أريد أن أبقى وطناً لكلِّ السوريين!

العدد 1140 - 22/01/2025