أسباب غضب الطبقة الوسطى العالمية
فساد، لامساواة ولامبالاة… تلك هي بعض الأقانيم التي أخذت ترددها حناجر المتظاهرين في عواصم دول ناشئة عدة.. تعبير أطلقه الاقتصادي (جيم أو نويل)، منذ 12 عاماً على مجموعة من البلدان، هي: البرازيل، وروسيا، والهند والصين، أي مجموعة (bric )، ثم أضيفت إليها كوريا الجنوبية، وتركيا، وإندونيسيا والمكسيك..، بدءاً من أنقرة مروراً ببكين ونيودلهي وصولاً إلى موسكو وبرازيليا، الذين نزلوا إلى الشوارع يحملون لافتات تكاد مضامينها أن تكون متشابهة كثيراً مع اختلاف الأحرف المكتوبة بها. فعلى مدى أسابيع خرجت جموع غفيرة في إسطنبول لتحتج على مشروع الحكومة التركية القاضي بإزالة حديقة (جيزي) في إطار مشروع لتأهيل ميدان (تقسيم)، وإقامة ثكنة عثمانية في أرض الحديقة المذكورة.
لكن سرعان ما كشفت هذه الحركات الاحتجاجية عن نار تحت الرماد، وخصوصاً عندما استخدمت القوى الأمنية التركية القوة المفرطة للاستيعاب، ومن ثم للقمع. فتطورت الهتافات مندّدة بالهيمنة والتسلط والعجرفة والتفرد التي يمارسها الحزب الحاكم بقيادة (رجب طيب أردوغان). واتسعت دائرة المطالب لتشمل الحفاظ على الحرية بكل مكوّناتها، إلى تحريم تدخل الحكم في الشؤون الخاصة للمواطنين، وحتى إقالة رئيس الحكومة الذي وصف هذه الاحتجاجات بالمؤامرة الأجنبية. وفي برازيليا، كما في بقية المدن الكبرى والبلدات في الريف البرازيلي، خرجت الحشود احتجاجاً على قرار اتخذه حاكما ولايتين، من المعارضة ومن الحكم، قضى برفع سعر بطاقة النقل العام المشترك. ورغم أن نسبة الزيادة كانت بسيطة فإن القرار ألهب مشاعر المواطنين العاديين. تجدر الإشارة إلى أن المواطن العادي يدفع ثلث مدخوله الشهري للنقل المشترك الذي يعاني سيئات لا تحصى. غطت التظاهرات كل الأراضي البرازيلية وبقيت الرئيسة البرازيلية (ديلما روسيف) صامتة، خلال الأيام الأولى من بدء المظاهرات مع تردادها عبارة: المظاهرات السلمية حق مشروع، وهي فخورة بالأجواء الديموقراطية السائدة في بلدها، مع أن أحد وزرائها اشتكى من أن الحكومة لا تعرف ماذا يجري في الشارع، وعقب أحد المراقبين على هذا الكلام بالقول: (إن الحكومة لا تعرف لغة الشارع ولا مشاعره عكس ما كان يتبعه الرئيس السابق (لولا) الذي كان ينزل إلى الشارع يحاور ويفاوض المحتجين.. تقدمت (ديلما) باقتراح قضى بإجراء استفتاء شعبي حول (الإصلاحات السياسية) ما زاد من مشاعر الغضب لدى المتظاهرين، على اعتبار أن هذا الاقتراح كانت تلجأ إليه الحكومات السابقة ولم تنفذه أبداً، ثم أعلنت عن استعدادها لاستقبال ممثلي الحراك لمناقشة الوضع. يشير أحد المحللين، فيما خصّ الأحزاب السياسية، إلى أن هذه الأخيرة وبضمنها (حزب العمال) الحاكم ومجموعة (اليسار الراديكالي) والأحزاب المعارضة كانوا بعيدين جداً عن هذا الحراك. وعندما حاولوا الالتحاق بالمتظاهرين طُرِدَ أعضاء حزب العمال وحليفه وأحرقت الجماهير لافتاتهم، في حين طُردت الأحزاب المعارضة لرفعها شعارات لا تتناسب مع مطالب الحراك كالإجهاض.
قاد هذا التحرك حركة (المرور الحر)، التي كانت قد تأسست عام 2005 من مجموعة من شباب المجتمع المدني، وهم لا ينتمون إلى أحزاب سياسية ولا إلى نقابات مهنية… من أبرز مطالبها مجانية النقل العام المشترك ومحاربة الفساد بكل مظاهره كالزبائنية المنتشرة في البلد. كما ترفض أن يتحدث باسمها أي سياسي من الحكم أو من المعارضة. يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الحرة في بلجيكا (فرديريك لو أولت) عن المتظاهرين في الدول الناشئة: (إنهم منقطعون عن النخب العامة، مبتعدون عن الأحزاب والتيارات السياسية، ولا تربطهم أي علاقة بالنقابات. لا يجدون وسائل لإسماع أصواتهم إلا النزول إلى الشارع).
امتدت حركة الاحتجاج من البرازيل إلى جارتها (الباراغواي)، حيث استطاع الضغط الشعبي، في أواخر الشهر الماضي إرغام البرلمانيين على عدم المصادقة على مشروع قانون بإعطاء كل عضو في البرلمان، قضى في النيابة عشر سنوات، معاشاً تقاعدياً يصل إلى الحد الأقصى، أي مئة في المئة من راتبه قبل التقاعد. وقد وصف أحد نشطاء الحراك الجماهيري هذا المشروع بأنه إذا أُقر فسيستفيد منه ثمانون سارقاً، في حين أن نصف السكان من الفقراء. وقال آخر: لقد احتج البرازيليون ونظموا المظاهرات، أولاً، على رفع سعر بطاقة النقل العام المشترك، وها هم أولاء اليوم في الطريق للحصول على إصلاحات سياسية كاملة لم يحصلوا عليها منذ نهاية الحكم الديكتاتوري (اذاً، لماذا ليس نحن؟).
يقول محمد حسنين هيكل: (إننا أمام ظاهرة فساد متشح بالسلطة، وظاهرة إرهاب ملتحف بالدين)، فإن الحراك الحاصل فيه منذ أكثر من سنتين وأطلق عليه (الربيع العربي)، فإن كثيراً من الخطوط العامة الرئيسية التي تضمنها هذا الربيع متشابهة مع ما يجري في الدول الناشئة، أكان لجهة المشاركين فيه، ام لوسائل الاتصال، أو للأسباب المحركة له، وغاياته…).
في دراسة لعالم السياسة (كريستوف آيا فرولت) عن الوضع السائد في الدول الناشئة، يقول إنه عبارة عن (كوكتيل متفجر) يشتمل على العناصر التالية: (نمو اقتصادي قوي، ولامساواة فضائحية، وفساد قاتل)؛ فالنمو الاقتصادي الذي حدث في هذه الدول كان قوياً، إذ إنه منذ بداية هذا القرن أكملت الدول الناشئة توسعها فأخرجت الملايين من المواطنين من الفقر. وقد شكل هؤلاء طبقة وسطى من أبرز ميزاتها أنها أفضل تعليماً،وأفضل خبرة، وأفضل تدريباً، ومن أوَّلياتها أن ارتفاع الناتج الوطني الخام غير كافٍ، فضلاً عن أن هذا النمو لم يستفد منه كلّ المواطنين. لذا نتج عن ذلك أمران: الأول تعزيز اللامساواة بين المواطنين، خصوصاً في الصين وفي الهند، حيث اتسعت الهوة بين الفقراء والأغنياء، باستثناء ما حدث في البرازيل إبان مرحلة حكم الرئيس (لولا) فقط، وتقلصت العلاقة بين الحاكم والمحكومين. والأمر الثاني حدوث قضايا فساد، لا سابق لها في التاريخ الحديث لهذه الدول من الهند (أشهرها تلزيم مناقصة تتعلق بالهاتف المحمول بمبلغ يناهز ال 40 مليار دولار، مما أثار احتجاجات جماهيرية ساخطة). إلى الصين (حيث استغلال السلطة لجمع الثروات الطائلة، وكشفت أمرها بعض الصحف الأجنبية، مما أدى إلى سجن بعض المتورطين فيها، وما زال الرئيس الصيني الحالي تشي جيبينغ يكافح هذه الظاهرة). إلى البرازيل (حيث عادت الهوّة تتسع اتساعاً لافتاً بين طبقات المجتمع البرازيلي).
وهكذا يتبين لنا أنه في نشوة صعود النمو أخذ قادة الدول الناشئة يفتشون عن ترجمة النجاح الاقتصادي بمظاهر القوة أو استغلال النفوذ، لكن الطبقات الوسطى اتخذت منحىً مختلفاً تماماً، فهي ترغب في نقل جيد، وأطباء مهرة في المستشفيات، ومدارس جيدة لأولادها، وقضاء شريف وحكم شفاف ومحاسبة عادلة… والعولمة تقول لهم: إن ذلك ممكن، لهذا ينزلون إلى الشوارع لإرغام حكامهم على تحقيق هذه المطالب.
وأخيراً لتقييم هذه الظاهرة، هناك من يعتقد أن الآمال التي تحملها هذه الحركات لأسباب عديدة، منها طبيعتها ومكوناتها لا تلبث أن تذوب كالثلج تحت الشمس عندما تصطدم بالواقع المرير. وهناك من يقول إنها تحمل مشروعاً لمجتمع ممكن الوجود!
عن (السفير)