الخط الساخن بين بروكسل وبغداد
شهدت بروكسل العاصمة البلجيكية انعقاد مؤتمر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ الثالث من كانون الأول. وحضر المؤتمر ممثلو ستين دولة.. وشارك رئيس وزراء العراق على رأس وفد رفيع المستوى.
ومن العناوين الرئيسة في جدول أعمال المؤتمر: (إيقاف تدفق المتطرفين الأجانب إلى العراق وسورية .. وكيفية نزع الشرعية عن الدولة الإسلامية).
تعدُّ فرنسا الشريك الأساسي للولايات المتحدة بدلاً من الشريك الأوربي، وهي المنافس لبريطانيا، وتطمح أن يكون لها دور مهم في السياسة الدولية، وفي الساحة الشرق أوسطية خاصة. وفي المقابل أعلنت بريطانيا أنها لن تشارك في أي عمل عسكري في سورية مما أتاح الفرصة لأن تحل فرنسا مكانها.
لقد تجاهل التحالف الدولي في خطته القتالية وتوجهاته الاستراتيجية، التكفيريين في ليبيا واليمن ومصر وتونس ونيجيريا ومالي. وحمَّل رئيس جهاز المخابرات البريطانية (إم آي 6)، الغرب مسؤولية ظهور تنظيم (داعش). أما الولايات المتحدة فقد حاولت بذل مزيد من الجهود لمشاركة الدول العربية، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، باعتبارها مزرعةالأبقار التي تدرّ ذهباً أبيضاً وحليباً يخلّص السياسة الأمريكية من السموم، وهو بمثابة (المبيّض لوجهها السياسي الأسود) واستبعدت رئيسة التحالف الدولي التي – كما تدَّعي كاذبة -(روسيا وإيران)، فهما برأيها يشكلان خطراً عليها ويحجّمان نفوذها في المنطقة..!
إنَّ الرئيس أوباما راعي الخطة المستقبلية للشرق الأوسط الجديد، حدَّد في خطابه بمناسبة ذكرى الحادي عشر من أيلول عناصر هذه الخطة لمحاربة (داعش)، التي تتمثل بأربع نقاط هي:
أولاً: القيام بحملة منتظمة من الضربات الجوية ضد (داعش)، والتنسيق العسكري مع الحكومة العراقية، وتوسيع الضربات الجوية ضده لتشمل سورية.
ثانياً: إرسال عسكريين إضافيين إلى العراق كمستشارين وليس مقاتلين في القوات البرية.
ثالثاً: منع مصادر تمويل (داعش)، وتحسين دور الاستخبارات وتعزيز الدفاعات والتصدّي لعقيدة (داعش) المشوهة، وضبط تدفق المقاتلين الأجانب إلى الشرق الأوسط.
رابعاً: توفير مساعدات إنسانية للمدنيين الأبرياء الذين شردتهم (داعش).
لقد تعكَّرت (مياه المؤتمر) وذابت بعض الثلوج من قمم المرتفعات في بروكسل. وبرز خلاف واضح حول (دعم المعارضة داخل سورية). وكان موقف لبنان(النأي بالنفس) ما زال ساري المفعول، فرفض إدراج بند المعارضة السورية على جدول أعمال المؤتمر الأول لوزراء خارجية دول التحالف ضد (داعش)، في حين أصرَّت تركيا على ذكر هذا البند. وسجَّل هذان الموقفان (اللبناني والتركي) انقساماً واضحاً وصف (بالشرخ) بين الدول المشاركة.
ولم ينسَ سعود الفيصل الموقف الثابت، المتشدد لحكومته، والمعادي لسورية وقال: لا بدَّ من تقوية قوى الاعتدال في سورية الممثلة بالجيش الحر، وجميع قوى المعارضة المعتدلة الأخرى، والسعي إلى ضمها مع القوات النظامية في إطار هيئة الحكم الانتقالي المنصوص عليها في إعلان جنيف1 .. وأشار إلى أن استضافة المملكة لمؤتمر جدة في أيلول الماضي شكلت نواة هذا التحالف الدولي.
ويبدو أن تصريحات متناقضة يشك في مصداقيتها، جاءت على لسان المسؤولين الأتراك، بأن الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة تسير في اتجاه الانحسار، وأن المساحة الخلافية بدأت تضيق بينهما. وقد وضعت الدولتان خطة بإقامة منطقة حظر جوي على الحدود السورية. وهذا الإعلان يتناقض مع تصريحات البيت الأبيض السابقة، التي أكد عليها جون كيري وقال: إن الولايات المتحدة لم تتخذ قراراً بتأييد إقامة منطقة عازلة على الحدود بين سورية وتركيا.
لقد صدر عن المؤتمر بيان ختامي مكثف جاء فيه: نحن بصدد وقف تقدم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عبر سورية وداخل العراق. ووافق الوزراء من ستين دولة على استراتيجية من خمس نقاط هي:
1 – زيادة المجهود العسكري.
2 – وقف تدفق المقاتلين الأجانب.
3 – قطع طرق الوصول إلى التمويلات.
4 -مشكلة المساعدات الإنسانية.
5 – نزع (الشرعية) عن التنظيم.
وجاء في البيان الختامي حول العراق: دعا المؤتمر في مقرراته إلى الاستجابة لدعم الجهد الحربي وبناء قدرات وتدريب القوات الأمنية العراقية، ودعم العراق في جميع المجالات الإنسانية، ومساعدة النازحين والمهجرين، ومنع تدفق المقاتلين الأجانب، وإيقاف تمويل (داعش)، وسحب الخطاب الأيديولوجي منها، والدعوة للالتزام بالإجماع الدولي الداعم للعراق وللتوجه الجديد للحكومة العراقية.
ورغم الإعلان عن وحدة الموقف برزت خلافات، منها مطالبة المعارضين بانتقال الحرب ضد (داعش) إلى مرحلة جديدة. ويفهم من هذا الموقف (استدعاء قوات برية والقيام بمواجهة تختلف عما يجري الآن في العراق وسورية، مثل دعم الجيش الحر في سورية.. وتأكيد تركيا الدائم على إقامة مناطق آمنة داخل سورية لتنتقل إليها قوات المعارضة المعتدلة).
وكانت الإجابة واضحة في لقاء الرئيس بشار الأسد مع مجلة (باري ماتش) الفرنسية . وقال الرئيس: (لا يمكن القضاء على الإرهاب من الجو، ولا يمكن تحقيق نتائج على الأرض إن لم تكن هناك قوات برية ملمّة بتفاصيل جغرافية المناطق وتتحرك معها بنفس الوقت).