عراك فكري
ترى كيف يعطي الإنسان أشياءهُ لما لا يستحق؟!
أمور كثيرة تميد بك وأنت تشرب فنجان قهوتك الصباحية في هدوء، هنا حاذر أن تحرك بأناملك صفحات الجريدة كي لا تقع عيناك على العناوين العريضة… لا جديد سوى الأحزان والعبرات وأعمدة جامدة باتت وقفا لسادنها.. غلاءٌ في المعيشة يزداد يوماً بعد يوم، وحتى القهوة التي تشربها تكثف هذا الغلاء. تسقط ضحية الأسئلة فلا تجد الإجابة.. فقنوات الفكر متعبة، والشرود في مدارج العبث والقلق يطاردك، في رجليك إحساس بالثقل وأنت تجرهما خلفك، لأنك لم ترسم خط سيرك في هذه الحياة المزعجة، العواصف تتقاذفك، والأيام توهمك براحة مزيفة، والسويعات تدور بك وتجعلك ضحية زمن لا يرحم.
فنجان القهوة يتمايل مع الخواطر، وأنت تنظر مشدوها فارغ الذهن والفؤاد، أحيانا تلجأ إلى التلفاز لتخرج من مربعك القلق، تتداعى مع واقع افتراضي يبنيه عرابو الدراما السهلة، والترويج الرخيص، مسلسلات مخاتلة، وأخرى دون أن تشعر تسأل معقول الجزء السادس؟ عدا هذا وذاك مللنا من العنتريات والحارات والدايات وطق الحنك ومجاراة الواقع بسيناريوهات باتت أسوأ من الواقع. رأفة بنا أيها المنتجون اللاهثون وراء الكسب السهل، لا تجعلوا منا هدفاً يضاف إلى كل البلايا والتشوهات التي تحيط بنا، لا تقدموا المزيد من شهادات الزور ضد حياتنا ومستقبلنا، اتركونا نرتشف قهوتنا بسلام، لم نعد بحاجة إلى المزيد من الجراحات والآلام.
حينما أنظر إلى الفقاعات التي ترتسم على وجه الفنجان أحاول الصعود لعلي أعيش ألوان طيف تختلف عن السواد الذي يصبغ القهوة رغم لذتها وأنت تهرب من ذاكرتك وتوهم نفسك أنها تخفف صداع يومك، ولكن انشغالك بتلك الفقاعات، يشربك بأمور كثيرة في الحياة يجسدها لك الفنجان، فتزداد صداعا وأنت تبحث عن الزمن الجميل الذي تتمنى العودة إليه، وتترك خلفك كل أمور التكنولوجيا والفضائيات التي لم يسلم منها حتى الأطفال، أصبحوا سجناء بين أربعة حيطان يلاعبون في أيديهم جهاز التحكم، لقد نسوا الحي والشارع وألعاب الطفولة البريئة حتى كرة القدم لم تعد تهمهم، افتقدوا حميمية الحي، آهٍ يا فنجان قهوتي الصباحية أفتقد الحميمية معك وأنا في عراك الفكر المشغول.