ضاع شادي!

 شادي الطفل الذي كان يلعب مع أقرانه بكُرة مهترئة، أو بـ(كبوكة) من الأقمشة والورق على شكل كرة، في ساحة ترابية متروكة هاربة من غابات الأسمنت ضمن حي شعبي يعج بالبشر والقهر…شادي الذي كان يُعذّب والديه حتى يكتب وظائفه المدرسية أو يحفظ دروسه قبل أن ينطلق إلى ألعابه المحصورة داخل المنزل على الكومبيوتر، أو يمضي الوقت مع برامج التلفزيون أو الرائي كما يقول الفصحاء…

شادي الذي ترك دراسته ليساعد والده في تأمين لقمة مُرَّة لإخوته التسعة، وعمل في مهن شتى حتى استقر في صناعة الحلويات وصار (معلماً) لا يُشقُّ له غبار… شادي الذي فوجئ بالحرب كما الكبار، إذ لم يتوقع أحد، حتى مشعلو هذه الحرب و(أبطالها)، أن تُصبح بهذا الاتساع والشراسة والخراب، كان يخوض حروبه الصغيرة عبر ألعاب (الأتاري) والإنترنت، أو في ساحات القرى والمدن الصامتة الخائفة الباحثة عن هوية لم تتعرف عليها بعد، ثم جاءت الحرب، جاءت الطائرات والمدافع والصواريخ والقذائف والرصاص، خرجت من الشاشات والمخيلة الطفلية إلى حيّه وبيته.

شادي خرج مع من تبقى من أهله في رحلة نزوح أولى ثم ثانية فثالثة، وفي كل رحلة كان هناك مفقودون أو قتلى أو مرضى من فرط القهر أو الجوع أو الأمراض التي تكاثرت وانتشرت.

ست سنوات من رحلة شادي من الطفولة إلى المراهقة كانت حافلة بكل شيء إلاّ الفرح، إلاّ الحياة الطبيعية لطفل يغادر طفولته إلى تفتح الحواس على الحياة، الرغبة، الحلم…

ست سنوات لم يعد شادي يحلم فيها بسلمى ابنة الجيران التي كان يلعب معها لعبة العروس والعريس في مدخل البناء، لأنها هاجرت مع أهلها إلى بلاد الحلم الأوربي… بقي يراسلها أحياناً بـ(الواتس أب) أو الفيسبوك أو ما تيسر من وسائل تواصل، لكنها كانت حوارات باردة خالية من ذلك الشغف الذي كان يجعله يهرب من عيون أهله إلى اللعب معها وتبادل الأحاديث والحكايات…

صار حلمه بداية أن يهاجر ككثيرين من أبناء حيّه وأقربائه، لكن من أين سيؤمّن مصاريف السفر والإبحار عبر قوارب الموت؟!

عمل والده يكاد لا يؤمّن إيجار المنزل الذي سكنوه في ضاحية غريبة لم يجد فيها صديقا أو أنيساً كما كان في حيهم الأول الذي صار رماداً…

وهو يبحث عن عمل فلا يجد، وإن وجد فالراتب لا يكفيه أجور مواصلات وثمن (سندويشة) مع أنه عمل طويل ومرهق، عمل في خدمة (الأراكيل)، يُهيئ (الأركيلة) للمعلّم ويُشعلها للزبون حتى امتلأ صدره بالهباب وصار من مدمنيها.

عمل في محل عصير يقف على رجليه كل نهاره بليرات قليلة، انتقل إلى العمل في محلات الموبايل دون جدوى…

الآن شادي يبحث عن أقرانه الباقين في حزن الوطن الذين اختاروا منذ البداية العمل في مهنة من لا مهنة له ولا وازع، يبحث عن مجموعات النهب والسرقة والسلب لينضم إليهم علّه يؤمّن مصاريفه ومصاريف أهله الذين وصلوا إلى حافة الجوع، بل عبروها مراراً.

السؤال الذي نعرف جميعاً جوابه: من أوصل شادي إلى هذا الخيار الأخير؟

من جعله يختار بين المر والأمرّ؟

أليس هو من أشعل الحرب وجعل عاليها سافلها خدمة لشهوة حكم، أو لطامع خارجي، أو لعقائد غابرة تُعاند موتها المحتوم؟

طبيعي أن يزداد عدد المراهقين الذين يُقبلون على السرقة والقتل بعد أن فرضت الحرب القذرة نمطها على الحياة السورية، يكفي أن تلقي نظرة إلى شوارع المدن والقرى وتجدها وقد لبست، إلى جانب ثياب الحزن على القتلى، اللباس العسكري، يكفي أن تستمع إلى شباب هنا وهناك يتباهون بما (عفّشوه) من منازل سوريين مثلهم لتباع في الأسواق علناً.

إنها الحرب يا صاح…

ضاع شادي السوري أيضاً…. يا سيدتي فيروز!

العدد 1140 - 22/01/2025