الجزيرة المحاصرة.. صمود وتحدٍّ
خمسة وخمسون عاماً على الثورة الكوبية (1959-2014)، ترافقت منذ أيامها الأولى بفرض حصار حديدي عليها من قبل الولايات المتحدة.. هذه الجزيرة تشكل أرخبيلاً في شمال البحر الكاريبي عند التقاء خليج المكسيك والمحيط الأطلسي، أسسها الإسباني (دييغو فيلاز كيز دي كويلار) عام 1515.
عندما انتصرت الثورة الاشتراكية بقيادة المناضل الثوري فيدل كاسترو وألوف الثوريين والديمقراطيين، بدأت الإمبريالية تحضّر عملاءها وأجهزة استخباراتها لاغتياله. وتكررت محاولات الاغتيال كما نشرت وثائق الاستخبارات المركزية الأمريكية نحو 638 مرة.
السؤال الآن ضرورة سياسية هامة: كيف انقشعت غيوم الحصار في عهد السيد أوباما الذي كان أكثر الرؤساء الأمريكيين تشدداً ضد كوبا؟ هل أن رسائل البابا فرنسيس الموجهة إلى الرئيس أوباما والأمين العام للأمم المتحدة أدت الواجب السياسي والإنساني؟ أم أن دور الولايات المتحدة قد تراجع خطوتين إلى الوراء، بعد أن تعددت الدول المنافسة لها عالمياً ولم تعد الدولة الوحيدة المهيمنة؟
لقد خسرت كوبا الاشتراكية أصدقاء أوفياء على مدى ما يزيد عن نصف قرن، وعلى رأسهم الاتحاد السوفييتي عام 1991. لكن في المقابل ما تزال روسيا ودول البريكس ودول عدم الانحياز والحركة الثورية العالمية تقف جميعها إلى جانبها، وتشكل سنداً قوياً لنضال الشعوب ضد الهيمنة والاستغلال وسياسة التفتيت والتقسيم.
وكان للاتصال بين الرئيسين (أوباما وكاسترو) منذ أيام هدف محدد وعنوان واضح، وجرت له ممهدات ومطالبات دولية وأممية مسبوقة، تبدأ بفك الحصار وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وتهدئة مياه المحيط وحسر أمواج الحصار على امتداد مئة ميل من حدود الولايات المتحدة.
قال أوباما: إنَّ واشنطن ستبدأ محادثات مع هافانا لتطبيع العلاقات بعد انقطاع استمرَّ خمسين عاماً، واعترف أن الخمسين عاماً الماضية أظهرت أن عزل كوبا لم يعطِ نتيجة، وحان الوقت لاعتماد مقاربة جديدة. وعبَّر الرئيس راؤول عن موقف الحكومة الكوبية، وأكَّد على إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.. وأضاف أن هذا لا يعني أن مسألة الحصار قد جرت تسويتها.
من جهة أخرى أكدت الأمم المتحدة في 29 تشرين الأول عام 2013 ، بأغلبية ساحقة، رفض حصار كوبا وضرورة انهاء الحصار. ووافقت على القرار الذي جاء تحت عنوان (ضرورة انهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي المفروض من قبل الولايات المتحدة على كوبا)، 188 دولة من أصل 193 دولة، وامتنعت عن التصويت ثلاث دول، وصوتت دولتان ضد القرار.
لقد خلَّف الحصار المزمن أضراراً كبيرة جداً من جميع النواحي السياسية والاقتصادية وعلى مستوى المعيشة، ورغم صناعة الولايات المتحدة معارضة موالية لها علَّبتها واحتوتها ودعمتها مالياً ولوجستياً، إلاَّ أنَّ الشعب الكوبي البطل قاوم طيلة هذه العقود بعناد وقوة وصبر ونضال، وظلَّ صامداً يصنع المعجزات في الطب والتعليم. ومن الأمثلة الحيّة، أن كوبا أرسلت في السنوات الماضية ألوف الأطباء إلى أحدى عشرة دولة، خاصة إلى القارة الأمريكية اللاتينية. ولكن قيمة الأضرار الاقتصادية على مدى نصف قرن كانت ضخمة جداً، فبلغت تريليون ومئة وستة وعشرين مليار دولار. وازداد الحصار في عهد الرئيس أوباما خاصة في القطاع المالي. وفرضت الولايات المتحدة غرامات بلغت قيمتها أحد عشر مليار دولار ضد 38 مصرفاً لتعاملها مع كوبا.
إن 77 في المئة من أبناء الشعب الكوبي ولدوا وعاشوا في ظلّ الحصار. وتعرف الولايات المتحدة جيداً أن حصارها كان مخالف لميثاق الأمم المتحدة التي تعمل تحت رعايتها وحمايتها وتنفذ توجهاتها منذ تأسيسها في 24 تشرين الأول عام 1945.
ومن أبرز أهداف الحصار (التجويع ونشر اليأس وإسقاط الدولة الكوبية الاشتراكية). وحُرمت كوبا المحاصرة من تصدير أو استيراد منتجات أو خدمات بحرية من وإلى الولايات المتحدة.. ولا تستطيع أيضاً استخدام الدولار الأمريكي في المعاملات المالية الدولية، ولا فتح حسابات بتلك العملة في بنوك بلدان أخرى، ولا تسمح لها الولايات المتحدة بالحصول على قروض من بنوكها أو من فروعها، أو من المؤسسات المالية الدولية (البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وبنك الأمريكيتين للتنمية).
إن عدد سكان كوبا البالغ أحد عشر مليوناً، يعيش57 بالمئة منهم في المدن و 25 بالمئة في المناطق الريفية. ويعتمد اقتصادها على السياحة بالدرجة الأولى، ويبلغ عدد الزائرين سنوياً نحو مليون سائح. وهي ذات طبيعة جميلة تشكل الجبال والتلال 25 بالمئة، بينما تغطي السهول نحو 60 بالمئة من مساحتها.
إن كوبا… هذه الجزيرة البعيدة جداً عن سورية هي أحد الحلفاء المخلصين لسورية والشعب السوري.. وأن صداقة قديمة تتجدد دائماً بين الشعبين السوري والكوبي… وبدأت منذ فترة قصيرة تخطو خطوات جديدة في طريق التنمية وتطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية ورفع مستوى المعيشة للمواطنين.. وتظل هذه الجزيرة الناهضة في قلب المحيط صامدة تقف إلى جانب الشعوب المناضلة من أجل تحررها واستقلالها. ولم يتوقف يوماً نضال الشعب الكوبي ضد الإمبريالية والرأسمالية المتوحشة والعولمة الأمريكية واضطهاد الشعوب.