الطفل.. وأدب الأطفال
بما أن الطفل هو إنجاز فلسفي لمرحلة الاستمرار والوجود، فهذا لا يعني ولا يغني عن أنه إنجاز فكري وعلمي، وربما أزيد على هذا الإنجاز أنه إنجاز حضاري، لنقل الموروث الثقافي من خلال تتبع حركة الأجيال وتطورها.
إذاً، ما واجبنا أمام هذا الإنجاز؟ وماذا نخبئ للطفل في الأيام القادمة من مقومات الحياة تمكنه من الاستمرار والعيش برفاهية فكرية ومادية ومعنوية؟
لقد صنف الدارسون مرحلة الطفولة طبياً بما يلي:
* الفترة الأولى: تبدأ من المرحلة صفر وحتى السنة الأولى من عمر الطفولة، وهي المرحلة التي تحتاج إلى تغذية فكرية، ففي مرحلة التغليف الرحمي، الطفل يسمع ويتأقلم مع جوف الأم، ويتغذى على ما تمنحه إياه من تغذية دماغية وجسدية.
* الفترة الثانية: تبدأ من السنة الأولى حتى الثلاث سنوات وهي مرحلة الحبو والاكتشاف واكتشاف تطور كامن للعقل والتعرف على ما حوله.
* الفترة الثالثة: تكون مابين الثلاث والخمس سنوات، وتكون حركة الطفل محدودة في إطار المنزل والعائلة وما يرى من حيوانات أليفة.
* الفترة الرابعة: تكون مابين الست سنوات والثماني، وهي مرحلة الخيال، إذ يزداد الطفل ولعاً بالقصص الخيالية والمغامرات الفردية
* الفترة الخامسة: تأتي تلك المرحلة المحصورة بين سن الثماني سنوات واثنتي عشرة سنة، يهتم الطفل فيها بالحقائق والتفتيش عن كل ما هو حقيقي وواقعي، ويبدأ بفرض نفسه حقيقةً واقعة لها كيانها المستقل، والقادرة على المجابهة والتحدي.
* الفترة السادسة: وهي الأخيرة من عمر الطفولة، وتكون هذه المرحلة تغييراً جذرياً تنحصر بين عاميه الثاني عشر والخامس عشر، عمر المراهقة والتعب، وهنا يبدأ الاستقرار العاطفي لكن بشكل نسبي، ويتجه الطفل الشاب نحو قصص الحب والخيال والمغامرة والتسلية واكتشاف عالم الكبار من خلال جسده أو باجتهادات شخصية، ربما تكون إيجابية أو سلبية.
إذاً، بعد أن تعرفنا على المراحل العمرية للطفل وما يمر عليها بإيجاز.. وبما أن البذرة الأساسية لبناء مجتمع قوي متكامل تحتاج منا إلى كل هذا العناء والتعب، فما الذي يترتب علينا من واجبات أمام عالم الطفل الجميل والمخيف؟ الأطفال هم الماضي والحاضر والمستقبل الذي يجب أن نؤسس له، بصفتنا أدباء، ما الذي نقدمه لهم؟ كان أدب الأطفال يأتي دائماً في المرتبة الأخيرة من الأدب أو المرحلة التالية، فإننا أمام جيل يحتاج منا إلى تسخير ملكاتنا العقلية والفكرية والنفسية والمعنوية، وضمن هذه الهجمة الشرسة التي وظفت لمحو تاريخنا الثقافي والإبداعي، ونهايةً محو أثرنا من أذهان الشعوب وتاريخنا من ذاتنا، فإنه بشكل أو بآخر يجب أن تكون هناك ورش تعمل بشكل ميداني وفدائي من أجل التخفيف قدر الإمكان من آثار ما وظف لنا وحوربنا من أجله. فقد كانت المثاقفة هي أبرز الآداب التي انتشرت، إذ لم ينظر إلى هذا الأدب على أنه عمل إبداعي، بل مكمل للأدب الذي يقدم للكبار بفنونه المتعددة، ذلك أنه لم يغامر إلا قلة قليلة من الأدباء لخوض عالم الطفل الخطير.
إن أدب الأطفال يجب أن يكون في المقدمة، ويجب إعطاؤه الأولوية القصوى من الأدب، لأن الطفل المخاطب هو الأكثر حاجة الآن إلى نتاجنا الأدبي، وأن يكون ما يُقدَّم من أعمال أدبية موظفة على مراحل وفئاته العمرية، فالغزو الفكري الذي يتعرض له عبر وسائل الإعلام وطرق التكنولوجيا الحديثة خطير، تتجلى خطورته خلال مخاطبته على أنه بوهيمي يحب التقليد، وحياته لا تتمتع بالإنجازات المبدعة أو على أنه يستطيع القيام بأي عمل إبداعي. علماً بأن الأعمال والبرامج التي تقدم عبر أقنية الأطفال متنوعة، لكنها تعمل على غسل أدمغتهم بطريقة هزلية، تستخف بالعقول المتابعة عامة وخاصة بعقل الطفل العربي. لم نكد نتنفس القليل من التطور، لإحداث ثورة نوعية وفكرية تجاه الفرد بشكل عام وإغناء الحياة اليومية له، حتى أعادنا الغرب عبر ثقافته الواضحة، مئات السنين إلى الوراء من خلال سياسة موجهة ومدروسة ومحبوكة على جميع الأصعدة، وقد لاحظت ذلك من الأفلام الكرتونية والقصص العالمية التي تستعمر عقول الصغار وتجعلهم نسخة كرتونية مكبرة (هوليود أنموذجاً).
ما المطلوب منا..؟ وكيف نقوم بتربية أطفالنا تربية صحيحة من خلال ما نحمله من إرث حضاري وثقافي وعروبي وقومي؟
* علينا تثقيف الأطفال تثقيفاً بنّاءً وتكوين أنماط سلوكية تناسب كل طفل وواقعه الذي يعيشه ويتعايش ضمن جو الأسرة الواحدة أولاً، وتطوير الواقع الاجتماعي للطفل ونقد السلبيات الاجتماعية التي تحيط به وإعطاء المعلومات بلغة بسيطة وسهلة وواضحة تكون قريبة جداً من عقله وفكره ولكل مرحلة من المراحل التي ذكرتها سابقاً.
* تنمية مواهب الأطفال وقدراتهم على الإبداع والابتكار، والتحفيز من قبل المؤسسات التعليمية والأسرة والنوادي الخاصة والعامة.
* الارتقاء بمستوى التذوق الفني والفكري والإبداعي لديه، وترسيخ معاني الهوية العربية والقومية والإسلامية والانتماء. وأخيراً تعويد الأطفال التفكير المستقل والابتعاد عن التقليد والاعتماد على النفس وزرع الثقة وترسيخها لديه كفرد فعال في هذا الوجود.
لن أعطي أمثلة عن أطفال في بلدان أخرى، بل أعطي أمثلة عن إبداعات لدينا موجودة، لكنها مخبأة أو مغيبة تماماً.
على الأدباء العمل يداً بيد مع المؤسسات التعليمية والوسائل الإعلامية والجمعيات الأهلية حالياً للارتقاء بذائقة الطفل، وجعل الأدب أولاً وأخيراً موجهاً له ومرتقياً به، وأن يكون أدب الأطفال في المقدمة، لا أن يكون في المرتبة الثانية من الأدبي أو يكون آخر اهتماماتنا.