الغابات البكر والسهول المتعارف عليها

في عام 1997 وزّع الناقد أحمد جاسم الحسين (1000 نسخة) هي مقاربة بكر كما أطلق عليها- وهي دراسة نقدية بعنوان (القصة القصيرة جداً)، وبعد ذلك أعاد طبعها مرة ثانية بعنوان (القصة القصيرة جداً – مقاربة تحليلية) أي بعنوان أقل تواضعاً من (اكتشاف الغابات البكر)، وكان في الكتابين بمنزلة الإعلان عن (جنس) أدبي مستقل، وبما يشبه الاحتفالية الهائلة. تمت بمؤازرة إعلامية كبيرة، وسجالات كانت مفقودة أساساً في الساحة الثقافية السورية، وقد ساعد  في اتساع دائرتها. ترحيب الإعلام بها كظاهرة، و..(تحفظ التقليديين عليها، وهم المعروفون بمحاربتهم كل ظاهرة. أو شكل جديد).

أركان وتقنيات

في تلك الدراسة – الإعلان -لاسيما في الكتاب الأول- يؤكد الحسين (اكتشافه) ل (المولود الأدبي البكر الجديد..) إذ هلت القصة القصيرة جداً في السنوات الأخيرة جنساً أدبياً. – هكذا يقول بالحرف – ويوم لم يكن قد انعقد أي ملتقى ل (ق.ق.ج) كما أصبحت تُعرف اختصاراً، وفيها أيضاً يقدّم بحثاً مطولاً في (نظرية) هذا الجنس الأدبي الجديد، في الكتابة والتلقي والذائقة، ورحلة المصطلح، والتجنيس، إضافةً إلى وضع الأركان المؤسسة له، والبحث كذلك في التقنيات، والعناصر، والخصائص، وعوامل أدبياتها، و..خاتمة في معوقات القصة القصيرة جداً، وهمومها.. نافياً من هذا الاحتفال الأدبي – الإعلامي أية شهرة أو مجدٍ شخصي، وإنما (الله من وراء القصد) كما ذيّل مقدمة الكتاب المؤرخة في الشام الشهر البكر من خريف 1997 .

ورغم أن الحسين يُشير في نتائج دراسته إلى ( أن ماتحدّثنا عنه من أركان وتقنيات. ليس وصفة سحرية، بل إنّ كثيراً منها يخف دوره. لتظهر عناصر وتقنيات جديدة..) غير أن تلك (المنطلقات) كانت هي المرجع لما التزم القصاصون بتقديمه. خلال خمسة ملتقيات لهذه الاحتفالية، فشاهدنا وسمعنا آلاف الحكم، والأقوال المأثورة، والتأملات، والتقارير الإخبارية، والعنتريات الفارغة، الناجمة مثلاً عن ركن الجرأة، وغير ذلك من الأركان والتقنيات التي رُسمت، و..لايزال تأثيرها جلياً في النتاج القصصي الصادر اليوم، الذي يتخذ منحى القصة القصيرة جداً شكلاً له. ورغم ما أثاره موضوع (التجنيس) في الملتقيات الثلاثة الأولى. أو الزعم باكتشاف ( المولود البكر الجميل) غير أنه في الملتقيين الرابع والخامس. بدا أنّ هذا المولود أصابه (التنميط) ولم يعد جميلاً، أو على الأقل ذبل الكثير من جماله الذي أطلّ من خلاله. وربما جاء كتاب الناقد يوسف حطيني (القصة القصيرة جداً بين النظرية والتطبيق)، الذي وزعه خلال الملتقى الخامس – وإن ظلّ يصر فيه على الدفاع عن الاكتشاف البكر والتجنيس – بمنزلة (النعي) لهذا المولود الذي فشل في أن يشب (مستقلاً)، وإنما بقي مرتبطاً بحبل السرة لوالدته الفاضلة القصة القصيرة المتعارف عليها. والمؤشرات على ذلك: خفوت الفعالية – الظاهرة، إن لم يكن انطفاؤها. إضافةً إلى الفشل في إعلانها جنساً أدبياً مستقلاً، أو اكتشافاً جديداً، وانفضاض القاصين والنقاد عن تظاهرة ملتقيات ال(ق.ق.ج). وكان انغلاق (الدائرة) بين الكتابين المذكورين، وبينهما الملتقيات الخمسة، رغم قيام (مهرجانين) للقصة القصيرة جداً. الأول في مدينة حلب، والثاني في مدينة نوى في محافظة درعا، غير أنهما برزا كمن يعمل وليمة لنفسه، أو للاحتفاء بشخصه، ودون جلبة..!

الحالة الرومانسية

لكن هذا لم يمنع بين الفترة والأخرى من قاصٍ، أو ناقدٍ، من الذين عاشوا الحالة الرومانسية السابقة، أن (يشرئب)، ويتطاول بين مقالة أو ملتقى، بتكرار منطلقات الحسين وحطيني ذاتها بالموجبات والقواعد نفسها، التي صارت محفوظة عن ظهر قلب لكثرة ما تمّ ترديدها..!

ومن ينظر بتلك المعايير والأركان التي يحددونها، يعرف أنها ليست خاصة بالقصة القصيرة جداً وحدها، فهل التكثيف والانزياح والتناص، والترميز والأنسنة والسخرية.. ميزات تنفرد بها ال(ق.ق.ج) دون سواها من الأجناس والأنواع الأدبية الأخرى..؟!

وهذا يُعيدنا إلى المربع الأول: القصة القصيرة جداً ليست إلا قصة قصيرة . تقلصت قليلاً أو كثيراً حسب مهارة القاص، و..حسب، تماماً كما لم نستطع الزعم، أن قصيدة التوقيعة، أو الومضة، هي جنس أدبي أعلن استقلاله عن القصيدة، وكما لم نستطع، وبعد مرور أكثر من قرن على نشؤ قصيدة النثر، أن تعلن استقلالها كنوع وجنس أدبي مستقل عن الشعر..!

صحيح أن ثمة كتابة اليوم (عبر النوعية) التي تقدم نصوصاً تتشابك فيها مختلف الأنواع الأدبية، غير أن جنساً أدبياً جديداً لم تُعرف ملامحه من خلال هذا النص المفتوح، وإلى الآن – على الأقل- لم يزعم أحد انه استطاع تحديد جنسه ..!

العدد 1190 - 11/03/2026