وتتكرر أزمة الإنتاج والمطالب.. ولكن دون حلول!
كالعادة، في كل موسم من مواسم الحمضيات في المنطقة الساحلية يصاب المزارع بخيبة أمل كبيرة، ويتحسّر على ما بذله من جهد ومال في سبيل إنتاج هذه المادة والحفاظ على اكتفاء ذاتي للسوق المحلية منها، بل وتصدير ما يمكن تصديره إلى المحافظات الأخرى والأسواق الخارجية. ومازالت لمزارعي الحمضيات الهواجس والشجون والمطالب نفسها التي تتكرر عاماً بعد عام، ولكن دون أي حلول في المدى القريب أو البعيد، فهل سيصل المزارع إلى حل مؤسف_ كما أفادنا بعض المزارعين_ يكون باقتلاع هذه الأشجار والاستفادة منها في عمليات التدفئة، والتحول إلى زراعات أخرى؟!
للوقوف على حال مزارعي الحمضيات في طرطوس، كانت جولة جريدة (النور) على الأسواق وعلى المزارعين في حقولهم:
وتستمر المعاناة
السيد أبو يامن من الدريكيش تحدّث عن تدنّي الأسعار قياساً بالتكلفة، فمن غير المنطقي أن أشقى طيلة العام أنا وعائلتي في تسميد الأرض وقصّ الأشجار وتقليمها وتعشيب أرضها وحراستها، ومعالتهاة بالمبيدات، وتكون النتيجة بعد ذلك كله خسارة بخسارة. في كل عام نتفاءل بأن تكون الأسعار معقولة تعود علينا ولو بالقليل من الربح، ولكن يبدو أن أصواتنا ومعاناتنا لا تصل إلى أحد، بل تبقى داخل أسوار حقول الحمضيات لدينا.إذا بقيت الأسعار كما هي عليه الآن فلن أقوم بقطف ثمرة واحدة لأنني لست مستعداً كي أزيد من خسارت،ي فأسعار الفلين والبلاستيك غير معقولة وأجور النقل أيضاً.
مكافحة عضوية
أما السيد آصف فتحدث عن مستلزمات الشجرة من السماد، فهي تحتاج إلى السماد سنوياً وقد كان أجدادنا يعتمدون على السماد الطبيعي ( روث الحيوانات) ولكن بعد انحسار تربية الماشية لدى المزارعين لأسباب عديدة لا مجال لذكرها الآن فإننا نلجأ إلى السماد الكيماوي الذي تؤمنه وزارة الزراعة في مستودعاتها. وبالنسبة للمبيدات وغلاء ثمنها فإن السيد آصف ليس مع استخدام المبيدات السامة، لأن قسماً من هذه المبيدات لابدّ أن يتسرب إلى داخل الثمرة، وبالتالي سيؤثر سلباً مع مرور السنوات على متناولي هذه الفاكهة. ويضيف: لقد جرّبت عدم رش الأشجار بالمبيدات وكانت النتيجة اختفاء بعض الحالات التي كنت ألمسها بين عام وآخر، لقد اعتمدت في المكافحة على الأعداء الحيويين التي تنتجها الدولة في مختبرات وزارة الزراعة، وأستغرب عدم اعتماد الوزارة على هذه الطريقة في المكافحة بشكل أساسي وخصوصاً تلك التي تهاجم ذبابة الفاكهة التي تعتبر من أشد الحشرات فتكاً بالحمضيات وببقية الفواكه.
التسويق
بالنسبة للواقع الزراعي فإنه يصحّ أن نقول للحكومة (أسمع كلامك أصدق أشوف أفعالك أستغرب) فالصعوبات التي تعترضنا- يتحدث السيد أبو يامن – ليست جديدة بل هي قديمة وتتكرر معنا كل عام، وأنا سأضرب لك مثلاً: إذا كان الطن الواحد من الحمضيات يكلفني أكثر من 16000ليرة سورية ثمناً للسماد وللمبيدات ولأجور العمال وللنقل من البستان إلى السوق، فضلاً عن ثمن العبوات سواء أكانت من البلاستيك أو من مادة الفلين، والأسعار تتذبذب بين يوم وآخر، فلماذا لا تصدر الحكومة تسعيرة للحمضيات تتناسب مع ما ينفقه الفلاح بما يؤمّن له دخلاً عادلاً؟!.ولماذا لا تقدّم الدولة مثلاً العبوات بدلاً من تحكّم تجّار السوق بها وبأسعارها؟ لأنه من غير المعقول أن يصل سعر الفلينة فارغة هذا الموسم إلى 100 ليرة أو أكثر والبلاستيك إلى 60 ل.س(طبعاً حسب الحجم والنوع) وهي عبوات مستعملة. في سوق الهال يتذرعون بعدم وجود شحن أو تسويق، لكنني فوجئت بأن ما بعته هذا العام بمبلغ 50 ليرة للكيلو الواحد يباع في السوق بحدود 150 ليرة تقريباً!!. إضافة إلى كل هذا فأجور النقل قد زادت الطين بلّة كما يقال، فتخيّل أن تكون أجرة سيارة حمولتها طنّان تقريباً من الدريكيش إلى طرطوس بحدود 5000 ليرة سورية.
الوحدات الإرشادية
ينحصر عمل عناصر الوحدات الإرشادية بتقديم المضادات الحيوية.. والمُزارع مُجبر على البحث عن الصيدليات الزراعية التي يعمل بها أناس لا علاقة لهم بالزراعة أو بالمكافحة أحيانا، وهنا يتساءل السيد محمود اليوسف عن السبب في عدم قيام عناصر هذه الوحدات بزيارات ميدانية لبساتين الحمضيات للوقوف على الآفات والأمراض التي تداهم بساتينهم، وعندئذ يتمكنون من تشخيص الإصابة على أرض الواقع بشكل صحيح؟ ثم ما هو المانع لوجود المبيدات في الوحدات الإرشادية؟ ولماذا لاتقوم تلك الوحدات بتقديمها للمزارع بأسعار مشجعة بدلاً من ترك الأمر بيد صاحب الصيدلية الزراعية ليتحكّم بالأسعار كما يريد؟!.
خدمات ضرورية
لو نظرنا إلى ما كانت تقوم به مديرية الزراعة منذ زمن قريب فيما يتعلق بمادة التفاح مثلاً لرأينا الفرق.. فالدولة تقوم بتوزيع العبوات البلاستيكية للفلاحين، وتقوم أيضاً بتأمين شاحنات كبيرة لتسويق هذه المادة فضلاً عن وضعها التسعيرة التي تتناسب وجهد الفلاح وتتناسب أيضاً مع ما ينفقه على الشجرة والأرض سواء لجهة السماد أو المبيد أو عمليات الفلاحة والتعشيب وجني الإنتاج!.فما هو المانع – يقول السيد أبو صالح – من قيام مديرية الزراعة بتأمين العبوات وتوزيعها على مزارعي الحمضيات واستقدام آليات من المديرية لاستلام الإنتاج وتسويقه وإعطاء المزارع الثمن الذي يتناسب وما ينفقه على الطن الواحد من هذه المادة مثلاً؟
رأي الخزن والتسويق
في اتصال جريدة (النور) مع رائد شاليش رئيس دائرة الخزن والتسويق بطرطوس للاستفسار عن خطتهم هذا العام لاستجرار مادة الحمضيات، قال بأن الكميات حسب إحصائيات اتحاد الفلاحين هي بحدود مليون ومئة ألف طن، وهناك فائض هذا العام حوالي 500 – 600 ألف طن، وقد تضمنت الخطة استجرار ما أمكن من إنتاج المحافظة من الحمضيات وفق عملية تسويق داخلي ضمن المحافظة، وخارجي ضمن الفروع في المحافظات الأخرى حسب حاجتها وطلباتها، وقد أعلمنا اتحاد الفلاحين بكتاب خطي عن وجود مراكز بيع بالجملة تابعة للمؤسسة في كل من صافيتا وبانياس وطرطوس، وهذه المراكز تقوم ببيع الإنتاج مقابل عمولة مخفّضة هي 1 % بدلاً من 6% في القطاع الخاص. أعتقد أن صعوبة النقل إلى المناطق الشرقية سيكون له الأثر البالغ في عمليات الاستجرار، إضافة إلى صعوبة شحن المنتج إلى العراق براً. أعتقد أن صعوبة تخزين الحمضيات في البرادات خلافاً للواقع فيما يتعلق بالتفاح والبطاطا وغيرها له أثره أيضاً، إذ تحتاج الحمضيات إلى التشميع والتغليف، ولذلك أتمنى أن تتضافر كل الجهود لتسويق المحصول سواء من قبلنا أو من قبل اتحاد المصدرين أو الجمعية النباتية التسويقية التابعة لاتحاد الفلاحين.. وأعتقد أن المحافظة بحاجة ماسّة إلى مصنع للعصير الطبيعي وإلى قانون يمنع استيراد المكثّفات.
كلمة لابد منها
على الجهات المعنية بتسويق الحمضيات أن تنظر إلى الفلاح بعين المساعدة والرحمة، وأن تضع القوانين والأسعار التي تتلاءم مع ما ينفقه الفلاح، بما يكفل له الحياة الجيدة بعيداً عن المنغصات اليومية أو الموسمية، والفلاح الذي يقضي أوقاته بين الأشجار وبين الصيدليات الزراعية وفي الأسواق لا يستطيع أن يتلقى الصدمات من كل حدب وصوب، وهو الذي يعتمد على ما تنتجه أرضه بشكل أساسي كي يعيل أفراد أسرته، فهل سنشهد قريباً في طرطوس مصنعاً للعصائر الطبيعية يخفّف من معاناة مزارعي الحمضيات؟!. هذا مانتمناه.