العملية السياسية المُرتقبة في مؤتمر جنيف القادم
بين الوقائع الميدانية وسيرورة المؤتمرات الدولية المتعلقة بحل الأزمة السورية، هناك حقيقة أنه مازال هناك تناقض ذي طابع تصادمي بين الولايات المتحدة وروسيا، يدفع بشكل مستمر إلى غياب عملية توافق بخصوص العملية السياسية في سورية. بين ذينك الحدين تجري عملية تصريف الزمن بقرارات عامة بالمحتوى والشكل، تعبر بشكل أو بآخر عن ثقافة سياسية ودبلوماسية لصراع دولي يتجاوز الأزمة السورية.
النشاطات الدبلوماسية في المؤتمرات الدولية السابقة حول الأزمة السورية، خاصة في جنيف 1 و2 جرت في إطار من العمومية، انعكس على مخرجاتها التي كانت في معظمها قابلة للتأويل، بل وحتى غير واضحة. لكن مؤتمر فيينا الذي عقد في 14 تشرين الثاني السابق، حدد، بشكل غير مسبوق، جدولاً زمنياً مرتكزاً على مرجعية بيان جنيف لعام ،2012 يمثل إطاراً عاماً لعملية سياسية في سورية تنهي الصراع الدائر فيها منذ خمس سنوات. إن انفلات الإرهاب من حدوده الإقليمية ممثلاً بشكل رئيسي في (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وتنفيذ هذا الأخير هجمات دامية في باريس وبيروت وسان برناردينو، وقبل فترة قصيرة في جاكرتا، قد أعطى زخماً للقوى الدولية الفاعلة للتفكير جدياً بإطار سياسي محدد لحل الأزمة السورية.
وإذا استثنينا مؤتمر الرياض الذي كان شاذاً في مقاربته للحل السياسي، أتى اجتماع 18 كانون الأول في نيويورك الذي جمع بشكل رئيسي روسيا والولايات المتحدة من ضمن (المجموعة الدولية لدعم سورية) تأكيداً للمسار الذي اتخذه مؤتمر فيينا، ويُفترض أن مؤتمر جنيف القادم لن يخرج عن سياق مؤتمري فيينا ونيويورك، وأن يُحدَّد فيه جدول زمني لمعالجة خمس نقاط رئيسية سنرتبها وفق منظور الدولة السورية، وهي:
مكافحة الإرهاب: أصر النظام السوري منذ البداية انه لا يمكن أن تنجح أي عملية سياسية دون الانتهاء من محاربة الإرهاب. ورغم التحايل الدولي على تحديد مسمى الإرهاب، والتعاطف الهائل للغرب، خاصة فرنسا، مع الميليشيات الإسلامية المسلحة التي تقاتل الجيش السوري، إلا أن المقاربة الروسية لهذا الموضوع قد فرضت نفسها إلى حد كبير، ووافقت (المجموعة الدولية لدعم سورية) على أنه لابد من هزيمة (تنظيم الدولة) وتجفيف منابع تمويله، وجرى تصنيف حوالي 160 فصيلاً في سورية على أنهم إرهابيون. كما أوكل للأردن ترؤّس فريق يضم ممثلين عن الاستخبارات والقوى الأمنية من (المجموعة الدولية) للوصول إلى تحديد معايير أساسية للجماعات الإرهابية المنتشرة في سورية.
القضايا الإنسانية: بالمجمل لا يوجد تباين بين أي من أطراف التفاوض السوري- السوري بمختلف تفرعاته على هذا الموضوع. كما أنه يحظى بدعم دولي كبير، ولو أنه في بعض خباياه كان قد اُستُخدم لدعم الميليشيات الإسلامية المسلحة في وقت ما. لقد سمح القرار 2165 الصادر عن مجلس الأمن بشكل أو بآخر بوصول جزء من المساعدات إلى أيدي هذه الميليشيات. على العموم الموضوع الإنساني مهما كانت نسبة تطبيقه ضئيلة ومن أي طرف كان، هو هام للغاية ويخفف ولو بشكل بسيط من محنة الشعب السوري.
وقف إطلاق النار: لاقى هذا المطلب توافقاً عاماً، لكن في الميدان يبدو هذا صعب المنال، إذ إن الدولة السورية ومن خلفها حليفتها روسيا أعلنا صراحة أن لا وقف نار مع (الجماعات الإرهابية). وفي المقلب الآخر لا يوجد ضابط حقيقي قادر على أن يجعل الميليشيات الإسلامية المسلحة توقِف إطلاق النار، خاصة (تنظيم الدولة) و(جبهة النصرة). ولا اتفاقات تضمن تطبيق ما ورد في بيان فيينا عن وقف إطلاق النار في (المناطق التي لا تقع تحت تهديد الإرهاب). إن الحقيقة التي لا يمكن الجدال فيها، والتي غابت عن المؤتمرات السابقة، هي أن دعم العملية السياسية في سورية هو الذي سيقود بالضرورة إلى وقف إطلاق النار، لا البيانات والتمنيات.
محادثات رسمية سورية-سورية: ورد في بيان فيينا (وحدة سورية…والحفاظ على مؤسساتها…وعلمانيتها) ويُفترض أن لا تخرج المحادثات المقبلة من هذه الثلاثية. وقد دعا المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا إلى جمع (أوسع طيف ممكن من المعارضة، وفق اختيار السوريين)، لكن يبدو هذا صعباً مع وجود تركيبة من المعارضة السورية تدعمها كل من تركيا والسعودية، ذات ميول أصولية أو على اقل دينية مبطنة.
حول العملية الانتقالية: هي من أصعب القضايا وأكثرها قابلية للتأويل. وقد جرى في مؤتمر فيينا توضيح بعض التفاصيل المتعلقة بهذه العملية، أهمها إتمام العملية الانتقالية بقيادة سورية، في غضون ستة أشهر، تنتهي بإجراء (انتخابات حرة) تحت إشراف الأمم المتحدة، يتبعها تعديل الدستور خلال ثمانية عشر شهراً. ويمكن أن يضيف أو يوضح مؤتمر جنيف القادم بعض النقاط المتعلقة بصلاحيات المرحلة الانتقالية وبعض التقنيات المتعلقة بآلية المحادثات السورية، عدد المفاوضين، وجود لجان، أولوية المناطق التي ستشملها القضايا الإنسانية…وغيرها.
نأمل، كما كل السوريين، أن تستمر العملية السياسية التي تبدو الطريق الأفضل والأقل تكلفة لحل النزاع في سورية.