مؤشرات نزاع صيني ــ أمريكي في المحيط الهادئ!

 إن أي دارس لتاريخ الشرق الأوسط لا يمكنه أن يتجاهل الانتقال الاستراتيجي في السياسة الخارجية الأمريكية خلال عهد الرئيس  الأمريكي باراك أوباما، من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ عموماً وبحر الصين خصوصاً. لا شك بأن حداثة هذا الانتقال لم تسمح بعد بالوقوف بشكل دقيق على معانيه المتعددة، وقياس تبعاته وتداعياته على نواحي الشرق الأوسط المختلفة، وعلى إعادة ترتيب القوى المحلية والإقليمية فيه.

إن اللقاء الاستراتيجي الصيني- الأمريكي الدوري الذي انعقد يومي 6 و7 حزيران 2016 يوفر فرصة مهمة في هذا المجال، إذ تُقيم الصين منطقة دفاع جوي وبُنى تحتية في جزر متنازع عليها مع جيرانها، وتشبه هذه المنطقة تلك التي أقامتها الصين في بحر الصين الشرقي عام 2013. وتجدر الإشارة هنا إلى أن طائرة (ب52) الأمريكية كانت قد حلّقت على بعد ميلين من إحدى جزر بحر الصين الجنوبي في شهر كانون الأول الماضي، وكادت أن تتسبب بكارثة دولية لو بادر الصينيون إلى إسقاطها.

في هذا السياق ترى الولايات المتحدة أن الصين تُنشئ (سوراً بحرياً حول نفسها)، وتثير بذلك مخاوف جيرانها من الدول مثل فيتنام والفلبين وبروناي وماليزيا، الذين يشتركون مع الصين في حدود متنازع عليها، وأنه على بكين ألا تتصرف في هذه المنطقة كما يحلو لها ومن طرف واحد.

ومما يلفت النظر هنا هو التطبيع الذي تنتهجه الولايات المتحدة مع فيتنام، العدو الرمزي الأهم لها في القرن العشرين والذي ألحق الهزيمة الأكبر بالولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن من الواضع أن عملية التطبيع المتبادل تتأثر بالبيئة السياسية الجديدة في المنطقة التي تحولت فيها الصين من قاعدة خلفية لفيتنام ضد الاحتلال الأمريكي، إلى مصدر الخطر على المصالح الفيتنامية حسب تصور بعض الفيتناميين.

أما بالنسبة لبقية الدول المجاورة للصين في المنطقة نفسها (أي الفلبين وماليزيا وبروناي) فتعتبر واشنطن الحليف الأبرز لها، وبالتالي تعمل على الاحتفاظ بهذا التحالف وتدعيمه، من منطلق أن الولايات المتحدة تدافع دائماً عن مصالح حلفائها أينما كانوا، وبشكل يؤكد أن المسألة برمتها بين أمريكا وهذه الدول مسألة مصالح مشتركة تتكرر في لعبة استراتيجية كلاسيكية في مناطق النزاع على النفوذ والمصالح.

أيضاً من الواضع أن الحوار الاستراتيجي الصيني- الأمريكي الدوري يتزامن مع خطة استراتيجية صينية يجري العمل في ضوئها منذ سنوات عديدة، وتقضي بإقامة منطقة اقتصادية آسيوية عملاقة عبر سكك حديدية وأنابيب نفط وطاقة وشبكة مواصلات سريعة، وتتطلع الصين من خلال ذلك إلى التمدد نحو أوربا، أي أنها تعيد العمل بما يشبه طريق الحرير الشهيرة، الأمر الذي من شأنه أن يعيد النظر بموازين القوى العالمية ويُملي تراتبية جديدة على المعنيين محلياً وإقليمياً ودولياً، ولعل هذه الخطة التي تثير مخاوف واشنطن وحلفائها في المنطقة (أي في بحر الصين) هي التي تسببت مع عوامل أخرى في الانتقال الاستراتيجي الأمريكي من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ.

إن الحوار الصيني – الأمريكي الدوري، يرمي بنظر الطرفين إلى التعاون كـ(شركاء) وليس كـ(خصوم ومتنافسين) بحسب اللغة المعلنة عشية الحوار، بيد أن ذلك لم يمنع الولايات المتحدة من التنديد بمنطقة الدفاع الجوي الصينية واعتبارها عملاً استفزازياً يُلحق الأذى بجيران الصين وبخطوط التجارة وبالملاحة الجوية والبحرية، الأمر الذي استدعى رد فعل صيني قاسياً نصحت خلاله بكين (الدول من خارج المنطقة) بأن يكون تدخلها إيجابياً، وهكذا فإن وصف مثل هذا التصريح الأمريكي بأنه من (خارج المنطقة) يعكس نمط التفكير الصيني باعتبار بحر الصين الجنوبي فضاء صينياً بمن جاوره ومن تجول فيه، هذا فضلاً عن اعتبار بكين أن حرية الملاحة الجوية والبحرية مضمونة في المنطقة المذكورة، ليس فقط احتراماً للقانون الدولي، ولكن أيضاً للمصالح الصينية الحيوية فيها. كذلك إلى جانب عناصر الخلاف السابقة، فإن الحوار يجري أيضاً على قاعدة عناصر اتفاق بين الطرفين، فالطرفان الأمريكي والصيني يعملان معاً في شبه الجزيرة الكورية حيث يشتركان في إدانة الملف النووي الكوري الشمالي في مجلس الأمن، وعملا معاً بشأن الملف النووي الإيراني.

ومن الملاحظ أن الحوار لم يمنع بكين من الوصول إلى أهدافها في محيطها، ولم يعرقل خططها ولم يحملها على التراجع عن إجراءات اتخذتها، بمعنى أن الانتقال الأمريكي الاستراتيجي من الشرق الأوسط إلى بحر الصين والمحيط الهادئ ليس بمقدوره الحيلولة دون تنفيذ خطط الصين، علماً بأن تاريخ الصين يؤكد أنها لم تكن يوماً ما دولة توسعية كما الدول الغربية، وشعبها بعيد عن ثقافة التوحش وحب السيطرة على الشعوب الأخرى، إلا أنه في الوقت نفسه شعب محب لبلاده ومخلص لها ومستعد للانفتاح على الشعوب الأخرى على قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون المشترك لما فيه خير الأطراف المتعاونة كافة.

العدد 1190 - 11/03/2026