ماذا سيفعلون تحت قبة المجلس؟!

 ترافق تفاؤل السوريين بنجاح المساعي السلمية لإنهاء أزمة بلادهم..واستمرار حالة الهدنة وما رافقها من المصالحات الوطنية، ترافق مع استحقاق دستوري يتضمن انتخاب أعضاء مجلس الشعب الجديد، وهكذا سيتعرف السوريون على مجلس تشريعي آخر.. سيضم وجوهاً جديدة دون ريب، لكن السؤال الملحّ الذي تفرضه معاناة المواطنين المعيشية قبيل الأزمة التي عصفت ببلادنا.. وخلالها هو: هل سينقضي زمن طويل قبل أن يلمس المواطن دور هذا المجلس في اختيار السياسات الاقتصادية للبلاد ومتابعة تنفيذها، أو التراجع عنها، وتداعيات هذه السياسات على الأوضاع المعيشية والاجتماعية، رغم أن صلاحيات المجلس ومهامه حسب نصوص الدستور، تتضمن إقرار القوانين وخطط التنمية، ومناقشة بيان الحكومة، والموافقة على الموازنة العامة للدولة، وحجب الثقة عن الحكومة أو عن أحد الوزراء؟!

ما ظهر جلياً للمواطن في الأدوار التشريعية الماضية، أن السلطة التنفيذية بحاجة إلى سلطة تشريعية تمرّر القوانين المؤسِّسة لرؤيتها الاقتصادية، لكنها لا تحتاج إلى من يراجع القرارات والإجراءات المتخذة لتنفيذ هذه الرؤية، والنتائج المرحلية.. والنهائية التي أفرزتها، ومدى مطابقة المؤشرات الاقتصادية للواقع، وكيف انعكست هذه الرؤية على أوضاع فئات الشعب المختلفة. وساعد السلطة التنفيذية للمضيّ في تفرّدها في رسم السياسات والإجراءات الاقتصادية، وتنفيذها، تولّي حزب واحد قيادة الدولة والمجتمع، استناداً إلى نصوص الدستور الذي كان سارياً، وأيضاً إلى عرف غير مكتوب.. لكنه واجب التنفيذ، بعدم تدخل السلطة التشريعية التي تضم أكثرية مطلقة لممثلي الحزب الحاكم- إضافة إلى أقلية تمثل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وبعض المستقلين- في تتبّع تنفيذ السياسة الاقتصادية للبلاد، وترك الأمر لقرارات الطاقم الاقتصادي للحكومات.. واجتهاداته.. وتجاربه.

اختارت السلطة التنفيذية في عام 2005 (اقتصاد السوق الاجتماعي) نهجاً اقتصادياً للبلاد، وتقدمت إلى مجلس الشعب بحزمة واسعة من القوانين التي تضع القاعدة التشريعية لاقتصاد سوق حر.. محرّر من جميع القيود. وبعد إصدار هذه القوانين.. وتنفيذها على أرض الواقع، تبيّن أن الهم الاجتماعي كان أول شهداء النهج الاقتصادي الجديد، فارتفعت نسبة الفقراء لتصل إلى 42% من أبناء الشعب، وزادت نسبة العاطلين عن العمل من 8 إلى 16% خلال تطبيق الخطة الخمسية العاشرة، وتقلصت الأجور الحقيقية للعاملين بنسبة تزيد عن 30%، ورغم احتجاج النقابات العمالية.. وممثلي قوى اليسار، ومطالبتهم بمساءلة مسؤولي الاقتصاد، دفن مجلس الشعب رأسه في الرمال، واكتفى بمطالبة الحكومة بتحسين الأوضاع المعيشية للفئات الشعبية!

في عام ،2009 أكد النائب الاقتصادي (عدم شعبية) بعض القرارات الهامة التي اتخذتها الحكومة، والتي تركت تأثيراً سلبياً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للفئات الفقيرة والمتوسطة من أبناء الشعب، وجاءت تأكيداته أمام النواب بعد أن وجهوا سهام النقد إلى بعض القرارات الحكومية، لكنه فاجأ الجميع بقوله: (إن هذه القرارات موجودة في الخطة الخمسية العاشرة ولم نفاجئ أحداً، وإن الحكومات تتخذ قرارات قد تبدو غير شعبية، لكنها في النهاية تصب في مصلحة الوطن).

العجيب في الأمر أن النائب الاقتصادي أرفق اعترافه بعدم شعبية قرارات الحكومة، بمؤشرات اقتصادية تشير إلى تواضع مساهمة الصناعة الوطنية في الناتج المحلي الإجمالي إلى حدود 9%، وتراجع مساهمة الزراعة من 24 إلى 17%،وخسارة مصانع ومؤسسات القطاع العام الصناعي، لكن في النهاية بلغت نسبة النمو 5,6%!

هل تَمعّن ممثلو الشعب آنذاك في بنود الخطة الخمسية قبل إقرارها؟ وهل تضمنت فعلاً قرارات (غير شعبية)؟ وكيف أُصدرت؟ ولماذا لم يطالبوا بالتراجع عن هذه القرارات؟ ولماذا استمر ممثلو الأكثرية في مجلس الشعب بترديد مقولة (المجلس والحكومة في مركب واحد) بعد أن تبين أن نسب النمو تلك ناتجة عن القطاعات الريعية لا القطاعات المنتجة، وأن الفئات الفقيرة والمتوسطة أُرهقت نتيجة لتهميش الشق الاجتماعي من اقتصاد السوق الاجتماعي، علماً أن أكثر من نصف عدد النواب يمثلون العمال والفلاحين الذين يعدّون أبرز ممثلي الفئات الشعبية المتضررة من السياسات الاقتصادية (غير الشعبية)؟!

وفي الوقت الذي تسابق مسؤولو الاقتصاد فيه على تقديم اقتراحات بقوانين أمام مجلس الشعب لتشجيع الاستثمارات العربية والأجنبية وتحفيزها، ومنحها الإعفاءات الضريبية والتسهيلات الإدارية، لم يسأل مجلس الشعب: هل تعرف الحكومة ماذا تريد من هذه الاستثمارات؟ وفي أي القطاعات يجب أن توظّف؟ هل تريدها للمضاربة في بورصات الأراضي والعقارات والأسهم، أم في الصناعة والزراعة والكهرباء والنفط؟

في المرحلة الحرجة التي واجهها الاقتصاد السوري بعد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية في خريف ،2008 ورغم الدرس البليغ الذي أفرزته تداعيات هذه الأزمة بضرورة الحد من الرساميل الأجنبية اللاعبة في أسواق المال والمصارف الوطنية في جميع دول العالم، طرحت الحكومة أمام مجلس الشعب اقتراحاً بتعديل القانون رقم 28 لعام 2001 الخاص بالمصارف الخاصة، يتضمن رفع نسبة تملّك المال الأجنبي في هذه المصارف من 49 إلى 60% أما المبررات فهي تشجيع الاستثمارات المصرفية الأجنبية على دخول السوق السورية، وتقديم فرص جديدة لتمويل قطاعات الإنتاج التي تعاني تدني الإقراض المصرفي.

مجلس الشعب وافق آنذاك على مشروع القانون دون أن يسأل الحكومة: عن أي تمويل لقطاعات الإنتاج تتحدثون، إذا كانت نسبة تمويل الزراعة من مجمل التسليفات في المصارف الخاصة حتى عام 2007 تساوي صفراً؟! أما الصناعة والتعدين فلم تتجاوز حاجز 16%، وذهب الباقي إلى النشاط التجاري والمشاريع العقارية! وما الذي سيضيفه التعديل إلى جوهر سياسة التسليف التي تتبعها هذه المصارف؟ هل ستتغير هذه السياسة باتجاه دعم الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج؟ وهل ستنال الصناعة الوطنية، ومشاريع الزراعة، اهتماماً أكبر، بعد رفع نسبة تملك الأجنبي في رأسمال تلك المصارف.؟

لقد تخبطت السياسات الاقتصادية خلال الأزمة.. واتخذت إجراءات حكومية تتعلق بأسعار الصرف.. والاستيراد.. ورقابة الأسواق.. والأجور.. وفرص العمل، ساهمت جميعها في زيادة آلام المواطنين السوريين، وصعّبت حصولهم على السلع الأساسية. صحيح أن الحصار الاقتصادي كان عاملاً مؤثراً في الضائقة الاقتصادية والاجتماعية، لكن الصحيح أيضاً أن معالجة انعكاسات الحصار.. ووضع السياسات المناسبة للتخفيف من أضراره لم تكن ناجحة، بل ساهمت في زيادة تأثير هذه الانعكاسات.

ورغم عرض البيان الحكومي على مجلس الشعب.. وحضور الحكومة بكامل طاقمها في بداية كل دورة للمجلس، وطلبات حضور وزراء للمثول أمام النواب، لم يستطع المجلس التشريعي المنتخب من تعديل السياسات الحكومية التي ثبت ضررها على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

المسألة حسب اعتقادنا لا تتعلق بصلاحيات مجلس الشعب ومهامه، بل بتوفر الإرادة الحقيقية لدى من يمثلون الأكثرية فيه..وفي باقي المجالس التمثيلية الأخرى، بتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة ومتوازنة، تقودها الدولة، وتساهم فيها، بفعالية، الرساميل الوطنية المنتجة، والاستثمارات الموجهة نحو القطاعات الإنتاجية، بهدف إنهاض الاقتصاد السوري بقطاعاته المنتجة المتنوعة.. وتنفيذ سياسات اجتماعية تتوجه نحو الفئات الفقيرة والمتوسطة، تحاصر من خلالها بؤر الفقر، وتولد فرص العمل لمحتاجيها، وخاصة بين أوساط الشباب، وتقضي على مراكز الفساد الذي أرهق الوطن والمواطن، وتعيد توزيع الدخل الوطني بين الفئات الاجتماعية وفق مبدأ العدالة الاجتماعية، وتقترح القوانين التي تضع المرأة السورية في مكانها الصحيح.. مساوية للرجل في الحقوق والواجبات.

الأزمة المركبة التي ما زالت تداعياتها تمارس تأثيرها السلبي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتتسبب بأشد معاناة مر بها شعب من شعوب العالم، والمطالب السياسية الديمقراطية، والاقتصادية الاجتماعية لمختلف فئات الشعب السوري، والتي أكدت مشروعيتها الأحزاب والقوى السياسية والمجتمعية، جميعها تفترض حسب اعتقادنا تفعيل مساهمة ممثلي الشعب- وخاصة ممثلي حزب البعث العربي الاشتراكي الذي نتوقع حصوله على الأكثرية المطلقة في الانتخابات الحالية- في متابعة الجهود الدولية والداخلية لإنجاح المساعي لحل الأزمة السورية عير الطرق السياسية، وفي رعاية الحوار الوطني الشامل الذي يضم جميع مكونات شعبنا السياسية والاجتماعية والدينية والإثنية، بهدف رسم معالم مستقبل سورية، وكذلك في وضع جميع السياسات التي تتعلق بحرية المواطن.. وأجوره.. وفرص العمل المقدمة له.. وغذائه.. وتعليمه.. وضمانه الصحي والاجتماعي، ومتابعة تنفيذها.. ومراجعتها، وإلاّ ماذا سيفعلون تحت قبّة المجلس؟!

العدد 1190 - 11/03/2026