شتاء.. وهموم

دمشق.. ها إني أرى قطرات المطر المنهمر تلامس طرقاتك، وتطرق بصوت عذب أوراق أشجارك، لتخلق لحناً لا يسمعه إلا القلة.. أحببت أن أجلس على شرفتي لأتحسّس عبق الشتاء الذي هبت نسماته لتحمل معها تلك القطرات المسرعة من المطر.. هاقد دق الشتاء أبواب دمشق مع عنفوانه وهيبته، ليرحب به العشاق أولاً.. فالشوارع خالية فكلٌّ مسرع إلى منزله خوفاً من المطر، لعله يجد الدفء المنتظر مع قدوم الشتاء…

مشهد العشاق يختلف تماماً عن هذا.. فتراهم يتخاطفون تلك اللحظات مع وجود المطر.. يتهامسون ويضحكون فيما بينهم.. فرحين وهم يحاولون التقاط بضع قطرات في أيديهم..ليداعبوا بخطاهم أوراق الشجر المتساقطة.. فيخلقون من المطر مشهداً قد حلموا به طوال صيفهم.. ليبقى الشتاء حلم العشاق وهكذا هو حلم…

ولكن بعيداً عن الأحلام وقريباً من الواقع.. فقد أتى الشتاء حاملاً بجعبته الكثير من الهموم لمن لا يستطيع تحمل قساوة برده… ليحاول جاهداً رب الاسرة أن يشعر أطفاله بلذة الدفء ولكن دون جدوى تذكر، فمع غياب وسائل التدفئة المتداولة كالمازوت والغاز… أو بالأحرى غياب سعره من جيوب أصحاب الدخل المحدود ومن المهجرين والقاطنين في مراكز الإيواء ومع غياب الكهرباء عامة أيضاً.. لا توجد وسيلة تدفئة سوى تلك الأغطية الشتوية بامتياز، فهي تحقق رغبتهم بالدفء مع القليل من البخار الساخن الخارج من أفواههم لتكون طريقة فعالة لتدفئة اليدين.. لتعتبر هذه الوسيلة على الفطرة يتداولها جميع الأعمار ودون دفع المال…. هذا هو الواقع للأسف..

ومع واقعنا أيضاً فتجاعيد وجوهنا أتت مبكرة… مع فراق صديق وخراب وطن… مع خبر حزين وخيبة أمل.. تجاعيدنا لم تعد من العمر الطويل… بل من الخوف والترقب من المستقبل..

هاهو عام جديد وشتاء جديد أتوا كما سبقهم من ستة أعوام من الحزن والألم.. في وطن لم يعد كما عهدناه… في منزل جدرانه باردة كبروده الشتاء.. في شوارع ملأها الحزن على أشخاص قد افتقدنا وجودهم فيها… ليكون لنا ذكراهم أجمل شيء قد يبقى ولا يرحل.. كم ودعنا سابقاً من أعوام آملين أن نجد في عامنا الجديد آثار فرح قد أنسانا إياه القدر..

لم نعد كما نحن.. فالحنين أنسانا طفولتنا البريئة.. وشبابنا الذي لم نستمتع به كما سبقنا من أجيال.. كثيراً ما تنظر إلي أمي تلك النظرة المليئة بالأسى على ملامح وجهي الذي كساه الشتاء برودة وكآبة.. تتعمق في نظراتي مستنكرة هذا الزمن الذي أوصلنا إلى هنا… فتقول: ياابنتي.. ما عشناه نحن في شبابنا قد سلبه منكم القدر.. وهذه الحرب التي للأسف علمنا بوقت حدوثها ولا خبر لنا بوقت انتهائها…

كم يزعجني ويحزنني هذا الجيل الشاب الذي لم يشهد على فرحه… وأيامه تمضي مسرعة دون أن يتلذذ بالاستمتاع بها… تقلقني تلك النظرات بعيدة المدى التي نطلقها ونحن نبحث عن ماض جميل يكرره الزمن مجدداً في مستقبلنا..

أحاسيسنا باتت متقدة كما توقد النار… ولكن لمَ الحزن؟ فأملنا موجود مادامت أنفاسنا موجودة… والذي يبعث في نفسي الطمأنينة أن الزمن مازال قائماً ونحن من سنغيّر مستقبلنا..وليس المستقبل سيغيّرنا…..

العدد 1194 - 15/04/2026