الحقيقة.. بين ضجيج التسريبات وهدوء الوقائع

د. نهلة الخطيب:

السياسات الدولية لا تدار بالشعارات أو التصريحات وحدها بل بتوازنات القوى والمصالح، وما نراه اليوم قد يكون فصلاً من صراع أكبر لم تتضح نهايته، الصراع الدائر بين قوى الغرب الذي تقوده أمريكا والغرب، وقوى الشرق الذي تقوده الصين وروسيا، وحالة الصراع هي جزء من حالة الصراع الاقتصادي العالمي، وهذا ما يضع العالم أمام لحظة تاريخية ومفصلية، نظرة الطرفين إلى معظم أزمات العالم مختلفة تماماً، فالصين لا تريد أن تكون القطب الأوحد بل تريد الشراكة وخصوصاً في مناطق التوترات في الشرق الأوسط وأوربا وآسيا الوسطى وإفريقيا، بينما الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تثبت قدرتها على القيادة المطلقة على العالم والسيطرة على منطقة المحيط الهادي واستمرارها في لعب دور في الحرب الروسية الأوكرانية والصراع في الشرق الأوسط الذي يعيش حالة استعصاء معقدة وخطيرة تهيمن على المنطقة والعالم بأكمله باعتباره أحد أهم مناطق إنتاج النفط الرئيسية في العالم، تتداخل فيه العلاقات الإقليمية والدولية وتعكس صراعات القوى الخارجية الساعية للعدوان والهيمنة عليه، ومن خلال المعطيات الساخنة والمتغيرات التي تحدث على الواقع تتناغم المواقف وتختلف الاصطفافات والحلفاء.

الحرب بين المحورين بدأت عسكرياً في أوربا بالحرب الروسية الأوكرانية، ثم انتقل الصراع إلى منطقة الشرق الأوسط عندما بدأت الحرب على إيران، محاولة لمنع نفوذ المعسكر الشرقي ومواجهة أي تقارب صيني روسي لحلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، وكأن المنعطف الذي بدأ منذ الحرب الأوكرانية وانفصال روسيا عن الغرب وشاركت فيه الصين يستكمل بإيران، لذلك روسيا والصين لن تسمحا بهزيمة إيران لأسباب عديدة يطول شرحها، فصمود إيران هو انهزام لأمريكا وتراجعها عن صدارة العالم، وانهزام أمريكا في هذه الحرب ستجعل عودة تايوان إلى الصين أسهل فضلاً عن حاجة الصين إلى الطاقة، وضرورة أمن قومي روسي وتجنب النفوذ الأمريكي على حدودها التي تربطها بإيران عبر بحر قزوين، أمريكا جمعت حلفاءها في المنطقة ضد المحور الصيني الروسي الإيراني، وعند انتهاء هذه الحرب ستنسحب القوات الأمريكية لتسلم قيادة المنطقة لإسرائيل وتتوج نتنياهو ملكاً عليها وتصبح إسرائيل هي المتحكم الوحيد بالموارد النفطية والثروات، وهذا يتمحور حول إعلان يهودية الدولة التي تعتمد بوجودها على تغيير ملامح الشرق الأوسط، وفرض أذرع ونفوذ في مناطق إنتاج البترول في العالم كمصالح استراتيجية لا غنى عنها لاستمرار هيمنة الدولار كعملة عالمية.

ترامب يهدد بتدمير إيران ويطالبها بالاستسلام الكامل دون شروط، ووزير خارجيته مارك روبيو يعلن وقف العملية العسكرية (الغضب الملحمي) وانتهاء الحرب وتعليق عملية فتح مضيق هرمز، ما الذي تغير فجأة وماذا حصل قبل زيارة ترامب للصين المقررة في 14 من الشهر الحالي؟!! عراقجي وزير الخارجية الإيراني يسبق ترامب لزيارة الصين مدخلاً مهماً لمعرفة حجم التأثير الصيني في الأزمة الإيرانية وترسيخ مكانة الصين كقوة عالمية مؤثرة، ترامب يريد التهدئة قبيل الزيارة والعالم يترقب قمة الرئيسيين الأمريكي والصيني ربما يتمخض عنها حلول تكون مرضية لجميع الأطراف.

من مضيق هرمز يتصاعد صراع نفوذ بين أمريكا والصين قد يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية العالمية عندما أعلنت الصين عدم اعترافها بالعقوبات على النفط الإيراني وهي تعتبر أكبر المشترين له 90% من صادرات النفط الإيراني للصين، الصين متعطشة للطاقة التي لا تكف شهيتها للمحروقات عن النمو، وسيطرة أمريكا على النفط الفنزويلي وسعيها لسيطرتها على النفط الإيراني يعرض أمنها الطاقي للخطر عبر مضيق هرمز الذي توليه الصين أولوية قصوى، وهناك مشروع قرار أممي يناقش بمجلس الأمن لتدويل أزمة المضيق لتكتسب بعداً دولياً. ووصلت الوقاحة بترامب أنه يريد طرح الحل تحت بند الفصل السابع أي أن هناك مطلباً لتدخل دولي في تحدٍّ لروسيا والصين، والاشتباكات الحذرة بين الطرفين هي جزء من تصعيد خجول وتصنفها أمريكا ضمن الدفاع عن النفس رغم الإعلان عن إنهاء العملية العسكرية خوفاً من محاسبة الكونغرس وتهدئة الداخل الأمريكي، حدودها عدم الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، ورسالة ضغط لدفع إيران إلى تقديم تنازلات أكثر.

ترامب أثبت أنه ظاهرة صوتية لا أكثر ولا أقل، إعلان مشروع الحرية لفتح مضيق هرمز بالقوة الذي دفع أسعار النفط والغاز للصعود إلى مستويات قياسية وتهديده بمسح إيران، بدءاً من المطالبة من الدول المتضررة لفتحه فلم يلق تفاعلاً، إلى إعلانه السيطرة عليه والتشجيع لدخوله فلم يتجرأ أحد على عبوره، إلى تصريحاته بأنه غير متضرر من إغلاقه ثم فرض حصاراً عليه وأخيراً محاولات لاقتحامه وإعلان مشروع الحرية، فعبرت باخرتان أمريكيتان من أصل 900 باخرة محتجزة، فاستولى عليهما الجانب الإيراني، ففشل المشروع ورفع نبرة التهديد والوعيد كالعادة لحفظ ماء الوجه، الإيرانيون لن يتراجعوا حتى الحصول على تنازلات ملموسة وهم مستعدون للمعركة وستكون المفاجآت أكبر من المعركة السابقة، فهم مؤمنون أن هناك معركة أخرى قادمة وهي المعركة الحاسمة، وإيران بفكرها الايديولوجي كنظام وقيادة يرون أنفسهم أمام خيارين: النصر أو الشهادة.

بين ضجيج التسريبات وهدوء الوقائع تبقى الحقيقة رهينة ما يجري خلف الأبواب المغلقة، بدايات تبلور قطب عالمي جديد واضحة جداً يعزز تحولاً عميقاً والهدف البترودولار، سيتشكل كمنظومة من القوى الاقليمية العالمية المتنافسة لا أحادي ولا ثنائي بل ثلاثي: أمريكا كقوة مهيمنة في حديقتها الخلفية نصف الكرة الغربي حسب استراتيجيتها وفق مبدأ مورنو مع المحافظة على أذرعها العسكرية والاستخباراتية في الشرق الأوسط ومناطق النفط الحيوية، والصين كقوة إقليمية في شرق آسيا تمتلك أذرعاً اقتصادية هائلة تمتد إلى القارة الأوربية وتعتمد على استراتيجية الربط بدلاً من السيطرة عبر مبادرة الحزام والطريق، وشريكتها في مواجهة الغرب روسيا كقوة إقليمية في أوراسيا تمتلك أذرعاً جيوسياسية كونها مصدراً رئيسيا للغاز والنفط للقارة الأوربية، لذلك تمثل الضربة الأمريكية على إيران نقطة فاصلة في تاريخ أمريكا وكيفية بقائها مهيمنة على العالم، فإذا قضت على النظام الإيراني ستبقى القطب الأوحد، وإذا صمدت إيران ستفقد أمريكا قوة الهيمنة العالمية.

العدد 1200 - 27/05/2026