هل يصبح التعاون أقوى من الإكراه؟
عبد الرزاق دحنون:
ما هو الإكراه؟استعمال القوة للإقناع، وتستعمل الكلمة للدلالة على الحكم بالقوة. الإكراه في جوهره استعمال القوة في التأثير على نتيجة ما على أي مستوى أو جميع المستويات، وحماية مصالح المرء الخاصة على الأقل، والتأثير على الآخرين، بل والسيطرة عليهم على أقصى حد. يُساء فهم الإكراه باستمرار على أنه قوة، وهو يبدو كذلك بالفعل، وفي بعض النواحي هو قوة، لكنها قوة محدودة تُستخدم للإيذاء والتدمير. غالباً ما يُستخدم التهديد بالعنف للإكراه، ولكنه غالباً ما يُؤدي إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك فقدان أنواع أخرى من القوة، تلك القوة التي تنشأ من العلاقات والروابط والتحالفات والثقة. يُعزل العنف ويُنفّر، ويُخلق الأعداء، ويُثير مخاطر كامنة. أما التعاون فهو نوع آخر من القوة يُبنى من خلال مجموعة أخرى من المهارات.
يصف كتاب صدر حديثاً لعالم النبات ديفيد جورج هاسكل (كيف صنعت الأزهار عالمنا: قصة ثوار الطبيعة)، نوعاً من القوة التي غالباً ما يتم تجاهلها أو التقليل من شأنها، تماماً كما هو الحال مع الأزهار نفسها. يكتب هاسكل: (عندما ظهرت الأزهار، قلبت الكوكب رأساً على عقب وغيرته. لقد كانت من الوافدين المتأخرين إلى الساحة العالمية، إذ ظهرت قبل حوالي مئتي مليون سنة، بعد فترة طويلة من تطور الحيوانات المعقدة والنباتات البرية الأخرى. وبحلول مئة مليون سنة مضت، كانت الأزهار أساس معظم الموائل على اليابسة).
وقد توسّع في شرح فكرته عن هذا الموضوع الحساس الذي يخص الشأن العام في كل الدول وذلك في مقابلة ضمن برنامج بودكاست، مصرّحاً: (كثيراً ما نفكر في القوة والثورة على أنهما مرتبطتان بالسيطرة والاستبداد والعنف. القوة هي الحق. لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي تحدث بها الثورة والقوة والتحول. فالزهور تقدم سرداً مختلفاً. لقد غيرت العالم بطرق ثورية من خلال التعاون والتنسيق، وغالباً ما يكون ذلك بوساطة الجمال والتجارب الحسية. لذا، فإن الزهرة تخاطب حرفياً الجهاز الحسي للنحلة أو الدعسوق (طباخ العنب والتين) أو طائر الطنان لجذب هذا الحيوان إلى إقامة علاقة تعاونية، علاقة متبادلة. ونحن لسنا سوى أحدث الحيوانات التي سحرتها الزهور وأصبحت متعاونة معها بإخلاص).
كما يوضح، اكتسبت الأزهار القدرة على التأثير في سلوك الآخرين من خلال بناء علاقات تكافلية: (سأطعمك ثماراً إذا نثرت بذوري؛ سأمنحك الرحيق وحبوب اللقاح مقابل التلقيح؛ سأدعك تستأنسني وأوفر لك قوتك اليومي، وستزرعني وتعتني بي عبر حقول لا حصر لها لأجيال لا تُعدّ).
لكن كما ذكّرنا جوناثان شيل في كتابه الرائد الصادر عام 2003 بعنوان (عالم لا يُقهر: القوة، اللاعنف، وإرادة الشعب)، فإن العنف كهجوم عسكري يُلجأ إليه غالباً لأن السياسة (فن الإقناع، وبناء التحالفات، وإيجاد أرضية مشتركة) قد فشلت. بل إن العنف نفسه غالباً ما يفشل أيضاً. نشأ شيل ككاتب شاب ذهب إلى فيتنام في ذروة الحرب الأمريكية هناك، وأدرك أنه على الرغم من تفوق الولايات المتحدة العسكري، إلا أنها لم تستطع إخضاع شعب ذلك البلد. ولأن الولايات المتحدة أو بعض قادتها لم يستوعبوا هذا الدرس، فقد تكرر الخطأ نفسه في أفغانستان والعراق، ويتكرر الآن في إيران.
الدرس الذي تقدمه الأزهار هو أنه عندما تُحسن معاملة الآخرين، وتُلبي احتياجاتهم، يمكنك بناء علاقات تُفيدك وتُفيدهم على حدٍّ سواء. أما عندما تستخدم العنف أو تستغل الآخرين وتُجبرهم لتحقيق مآربك، فإنك تخلق خصوماً لا حلفاء، وغالباً ما ينتهي بهم الأمر إلى امتلاك السلطة. في عالمٍ يشهد تزايداً في المساواة على مدى القرون القليلة الماضية، تزداد أهمية التعاون في القوة، وقد أصبح العنف، كما يُشير شيل، وسيلةً ضعيفةً بشكلٍ متزايد لتحقيق الأهداف.
نتزايد فهمنا للطبيعة نفسها (وكتاب ديفيد جورج هاسكل يُعدّ استكشافاً رائعاً لهذا المفهوم) باعتبارها مُنظّمة من خلال التعاون والتكافل. وكتاب هاسكل ليس إلا واحداً من بين العديد من الكتب الرائعة التي ظهرت مؤخراً حول هذه الرؤية الجديدة للطبيعة. وقد أصدرت عالمة الغابات سوزان سيمارد، مؤلفة كتاب (البحث عن الشجرة الأم) الذي كان له أثر بالغ في شرح كيف أن الغابات عبارة عن تعاونيات مترابطة، كيان متكامل متشابك بعمق، وليست مجرد مجموعة من المتنافسين المنفردين، كتاباً جديداً بعنوان (عندما تتنفس الغابة: التجديد والمرونة في العالم الطبيعي). تقول: كل شيء مترابط. في كتابي اقتبستُ من الباحثة جوديث بتلر التي لديها تفسير آخر لسبب عدم الخلط بين العنف والقوة أو السلطة: (في تجربتي، تستند أقوى حجة ضد العنف إلى فكرة أنه عندما أمارس العنف ضد إنسان آخر، فإنني أمارس العنف ضد نفسي أيضاً، لأن حياتي مرتبطة بهذه الحياة الأخرى).