هل بدأ الفريق الإيراني يتحكم بمجريات المباراة؟!
الدكتور سلمان صبيحة:
يبدو أن المباراة التي تخوضها قوى الإمبريالية المتوحشة الآن، ضد بقية دول وشعوب العالم، لتجديد فرض هيمنتها وعنجهيتها وإطالة عمرها، بدأت تأخذ أشكالاً مختلفة وأبعاداً خطيرة وتثير مخاوف غير محدودة.
مباراة ساخنة ابتدأت بعدوان سافر تمثل بعملية عسكرية أطلقتها إسرائيل والولايات المتحدة صباح ٢٨ شباط ٢٠٢٦ على إيران، سمّتها تل أبيب (زئير الأسد) بينما سمّتها واشنطن (الغضب الملحمي)، وردت عليهما إيران بعملية (الوعد الصادق 4).
بداية المباراة (الحرب)، كانت باستهدافات عنيفة، فقد ضرب الفريق المشترك الإسرائيلي الأمريكي عشرات الأهداف في قلب العاصمة طهران ومدن قم وأصفهان وكرمانشاه وكرج وتبريز الإيرانية، واستهدفت الضربات أيضاً مسؤولين وشخصيات كبيرة.
الحقيقة الواضحة التي يراها الجميع أن ملعب المنطقة (مولّع)، الدمار والقتل والخراب وأصوات الصواريخ والطائرات والقنابل والنيران والدخان الاسود والابيض يملأ كل مكان، أصوات الجماهير وصراخها ودموعها وفرحها تختلط ببعضها، الدماء تسيل والجثث تتطاير، وأبنية تهدم فوق رؤوس قاطنيها، كرات نارية تتحول الى اهداف تحققها بالجملة آلة الحرب الإمبريالية الأمريكية الإسرائيلية.
وبعد أن استوعب المنتخب الوطني الإيراني الهجوم المباغت على مرماه، سارع بتنظيم صفوفه من جديد واستبدل اللاعبين الأساسيين (الذين أُخرجوا من الملعب ببطاقة حمراء قاتلة)، وقام برد حاسم عبر هجمات مرتدة أربكت فريق الخصم وشتت دفاعاته وشكلت خطورة كبيرة أمام المرمى، العارضة تصدت لعدة اهداف ايرانية كانت محققة في تل أبيب وديمونا وغيرها من المناطق الحيوية والعسكرية الهامة، الرميات الجانبية أيضاً شكلت خطورة كبيرة، كذلك عدد ركنيات الفريق الإيراني كانت أكبر وأخطر، وتابع الفريق هجماته التي تمثلت برشقات صاروخية واسعة ومسيرات انتحارية استهدفت أغلب المدن في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودول المنطقة التي تضمّ قواعد وقوات أمريكية، وشكلت الهجمات الإيرانية، المدروسة والمرسومة بدقة وفق خطة محددة، خطورة كبيرة على مجريات المباراة وكادت أن تنهي الحرب، لولا هجمات التسلل لفريق الخصم المدعومة من عملائه وجواسيسه، وحلفائه وجماهيره التي تشجعه بمختلف الاشكال والأساليب، محاولين فتح ثغرة في مضيق هرمز، والبدء بهجوم بري شامل على إيران، بعد إجراء الاتصالات اللازمة للتعاقد مع لاعبين أجانب كمرتزقة لإكمال مجريات المباراة، من أجل إعلان الانتصار، ولوكان شكلياً، ومهما كلف الثمن، لإنقاذ سمعة وهيبة أمريكا وإسرائيل التي أصبحت في الحضيض.
لكن، بالتأكيد الميدان له كلام آخر، والمباراة ما تزال مستمرة، وصمود الشعب الإيراني ومنتخبه الوطني حتى الآن أذهل العالم، فرغم الخشونة الزائدة التي يمارسها الفريق الإمبريالي المتوحش على أرض الملعب، واستمرار قصفه الإرهابي المتعمد للمدارس والمشافي والبنية التحتية المدنية بأعتى وأقوى الأسلحة، وقتله للأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين العزل، إلا أن الفريق الإيراني، المدعوم من روسيا والصين وكل القوى الوطنية والتقدمية في العالم، ما زال ممسكاً بزمام الأمور ويلعب بكل ثقة واحترافيه، رغم الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات التي مني بها، إلّا أن المنتخب كان حريصاً كل الحرص على أن لا يُجرّ إلى مصيدة التسلل وارتكاب الحماقات غير المحسوبة هنا وهناك، التي يمكن أن تؤثر على مجريات المباراة، وتحولها إلى كارثة رهيبة، تجر المنطقة والعالم إلى طوفان من الخراب والدمار والابادة الجماعية وارتكاب المجازر، ونشر الفوضى، والخشية كل الخشية من أن يتم استبدال كرة النار العادية المحدودة حتى الآن، بكرات نارية أخرى، أكبر حجماً وفتكاً، سريعة التدحرج، قد تتحول إلى بركان من اللهب يشعل العالم كله دفعة واحدة، ويصبح اللعب بالكرة الأرضية لا عليها، وهذا يعني نشوب حرب عالمية ثالثة مدمرة، لكن الفريق الإيراني وبالتنسيق مع مناصريه، ما زال يلعب المباراة التي فرضت عليه بكل رجولة وروح رياضية ورباطة جأش عالية ومسؤولية وإنسانية، من مبدأ الدفاع عن النفس ورد العدوان، وهذا بطبيعة الحال، يصب في خانة الدفاع عن كل المظلومين والمضطهدين في العالم، ويعزز النضال، ويمهد الطريق لنهاية النظام الإمبريالي المتوحش وإنشاء عالم جديد متعدد الأقطاب يسوده السلام والمحبة والأمن والأمان، ضمن إطار الشرعية والعلاقات الإنسانية الدولية المتوازنة وحماية حقوق الجميع في العيش المشترك والكريم، بكل حرية وديمقراطية، بعيداً عن الاملاءات والتسلط، وعن ممارسات عصابات الكاوبوي والمافيات وقطّاع الطرق.
وعلى العكس تماماً نجد فريق الإمبريالية المتوحشة، يبذل كل ما في وسعه، مستخدماً كل الأساليب القذرة والطرق المشبوهة للنهب والسلب واستغلال خيرات الدول والشعوب لمصالحه وأطماعه التي لا تقف عند حد معين، مستخدماً كل الموبقات ومرتكباً أبشع الجرائم الإرهابية في سبيل تحقيق أهدافه ومصالحه وإطالة عمره كنظام إمبريالي محدث، إرهابي متوحش، يجدد نفسه وشبابه عبر اتباع أساليب خبيثة ومخططات جديدة، مستخدما الثورة الرقمية وفورة الاتصالات والتكنولوجيا المتطورة وطفرة الذكاء الاصطناعي والتضليل الإعلامي، من أجل قتل الناس ومص دماء الأطفال كما كان يفعل في العديد من المناطق حول العالم، وكان آخرها فضائح جزيرة ايبستين السيئة الصيت، وأكل لحوم البشر على موائد الشر في حفلات الأبالسة التي لا تتوقف، وفرض نظام عالمي امبريالي متوحش جديد كامل الدسم وفق مخطط شيطاني مرعب، كانت البداية فيه بخطف الرئيس الفنزويلي المنتخب مادورو واعتقاله مع زوجته في عملية عسكرية أمريكية سرية ليل السبت ٣/١/٢٠٢٦، وبدأ التحرش بكوبا وتهديد بقية الدول في امريكا اللاتينية، وغيرها من الأنظمة الوطنية والتقدمية في كل من آسيا وإفريقيا، وتابعنا جميعاً تهديد ترامب بضم جزيرة جرينلاند والسيطرة على مواردها الطبيعية الغنية من معادن نادرة، ونفط، وغاز، وغيرها .
وبكل عنجهية ووقاحة تابعت أمريكا، ممثلة الإمبريالية المتوحشة، تهديد كل دولة لا تقدم واجب الطاعة والخضوع لهذا المارد الإمبريالي المتوحش الجبار الذي على ما يبدو ضاق عليه قمقمه المحشور فيه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، معتقداً أن الفرصة أصبحت سانحة الآن للخروج والسيطرة على العالم وتحويله إلى قمقم خاص به وحده، وبعدها يتوج ترامب نفسه فرعوناً جديداً يخضع العالم كله له بالقوة.
ومن هذا المنطلق يعتبر ترامب انتصاره في مباراته اليوم مع إيران، سيحدد مصيره ومصير العالم، وبذلك سيضع أسساً حديثة لنظام عالمي جديد.
ترامب ونتنياهو وشركاؤهما، كانوا يظنون أن المباراة مع إيران، ستكون كأي مباراة كرة قدم عادية وتنتهي خلال تسعين دقيقة، ويتم خلالها سحق الفريق الإيراني، بضربة مزدوجة مؤلمة وسريعة، ولكن العالم كله تفاجأ بصمود المنتخب الايراني حتى اليوم، ويعتقد البعض، أن المباراة لن تنتهي على خير وبسلام، وخاصة مع استمرار الضربات المتبادلة، واستمرار إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أثر سلباً كما قلنا على سمعة وهيبة أمريكا، التي وجدت نفسها في ورطة كبيرة لا تعرف كيف ستخرج منها، ولعل خير مثال على ذلك ما نشره مؤخراً الصحفي الأمريكي المعارض (إيثان ليڤين) في تغريدة ساخرة صغيرة له انتشرت في العالم كله، تقول :
(اليوم الحادي والعشرون من عملية (غضب إبستين).. (يسخـر من تسمية ترامب لعملية الغضب الملحمي ويسميها غضب إيبستين).
أعظم إنجازات الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران حتى الآن:
١- إعفاء النفط الروسي من العقوبات.
٢- إعفاء النفط الإيراني من العقوبات.
٣-تدفع السفن ٢ مليون دولار لإيران لعبور مضيق هرمز.
٤- اختفاء تريليون دولار من الولايات المتحدة (بسبب تمويل الحـرب).
٥- ثبوت عدم جدوى طائرات إف-٣٥
٦- تتعرض القواعد الأمريكية لهجمات متواصلة.
٧- استبدال آية الله السيد علي خامنئي بآية الله مجتبى خامنئي).
لذلك ومن هنا نرى أن العالم يعيش حالة غير مسبوقة من التخبط والفوضى، ويحبس أنفاسه خوفاً من أن تلجأ القيادة الخفية للإمبريالية المتوحشة وفي اي لحظة الى إنهاء المباراة بضربات الجزاء النووية التي قد تكون محدودة لحسم المباراة لصالحها بشكل نهائي وكامل، وذلك إنقاذاً لسمعة ومكانة أمريكا باعتبارها أقوى دولة عظمى في العالم، وكذلك إنقاذاً لترامب الذي وعد سابقاً بالنصر خلال ٧٢ ساعة، وها هو ذا كل يوم ينذر ويجدد انذاره، مرة ٢٤ ساعة ومرة ٤٨ ساعة ومرة خمسة أيام، وهذا كله يدل على أن ترامب بدأ محرك دماغه يخلط الزيت مع الماء كما يقال، ويظهر الفرق بين الغطرسة والذعر، بين الوهم والواقع، بين الإمبراطورية والخراب، وكما يقول بعض المتابعين :
(حين يُهدد المهزوم بحرق كل شيء، فهو يعترف أنه خسر كل شيء، وحين يُعطي الغريق مهلة ساعات محددة، فهو يعرف أنه يغرق، والإنذار ليس قوة، بل قد يكون صرخة أخيرة قبل الغرق النهائي).