ترامب ملكاً لغزة، فهنيئاً له! ولكن غزة تنهض لا كمدينة نجت بل كفكرة انتصرت
د. نهلة الخطيب:
نحن أمام تحولات خطيرة في ظل قراءة لجيوبوليتك العالم الجديد الذي تريده أمريكا التي بدأت بأربع ولايات واليوم أصبحت خمسين ولاية وربما أكثر في المستقبل، فالتمدد الجغرافي هو عنصر أساسي في الاستراتيجية الأمريكية التي صاغها ترامب مؤخراً، ترامب الذي يسعى لغزو العالم كله ليجعل من أمريكا أمة عظيمة بعد أن اهتزت صورتها في العالم، يرى العالم من منظار الامبراطور يقلب كل شيء بسرعة قياسية محاولة لإرساء نهجه الجديد، قائم على البلطجة العسكرية والتكنولوجية واستعراض القوة في مواجهة منافسيه في وضع غير مسبوق لرئيس أمريكي، فالكرة الأرضية ملك لرجل واحد هو ترامب يتحكم بها ، بدأ باقتحام فنزويلا ونصب نفسه ملكاً عليها، وغداً غرينلاند وكندا والمكسيك وإيران ونفط الخليج وسورية وأوكرانيا والآن غزة تحت الوصاية الأمريكية!
ترامب وضع يده على غزة وتوج نفسه ملكاً عليها، وعلى من يسكنون الخيام ويفترشون الأرض، غطاؤهم السماء والبرد القارص يلتهم أجساد أطفالهم، خطة ترامب للسلام جاءت لنصرة غزة وإعادة الحياة بعد عامين من القتل والدمار وإرساء السلام في الشرق الأوسط وليس في غزة فقط!
ترامب ملكاً لغزة، فهنيئاً له بغزة!! لسان حال العرب والفلسطينيون لا أحد يجرؤ أن يقول لترامب لا، فلا مفر من ذلك، ولا يوجد لديهم حل آخر، هي الخطة الوحيدة على علاتها لإنهاء الحرب ووقف المذبحة ولا ندري ما إذا انتهت أو هناك جولات أخرى؟
مع دخول المرحلة الثانية من خطة السلام أعلن ترامب تشكيل مجلس السلام وقيادة غزة، والحاكم الفعلي هو ترامب ونيكولاي ميلادينوف ممثلاً سامياً، الإطار الرئيسي لمجلس السلام يتعلق بتحقيق السلام بالمنطقة وضمان إنهاء الصراع من جهة ومن جهة ثانية توسيع اتفاقات إبراهام وهو الهدف الرئيس لهذه الخطة وترمب سيركز على الأهداف بعيدة المدى وليس الآنية، في استراتيجية الأمن القومي (مبدأ ترمب) في الشق المتعلق بالشرق الأوسط ركزت على الازدهار وعلى تحقيق اصلاحات بالمنطقة العربية بالأخص ومنطقة الشرق الأوسط عموماً دون إسقاط النظام وتدمير الدولة كما فعل بوش الثاني وأوباما فكانت هزيمة لأمريكا في العراق وأفغانستان كما في أوكرانيا وحتى في غزة، يكفي رأس النظام لإحكام السيطرة عليه، نسخة جديدة من صفقة القرن (رؤية ترامب 2020 بعد حرب الإبادة الجماعية على مدى عامين وتدمير قطاع غزة) وهي مشروعه الرئيسي، منذ ولايته الأولى طرح ترمب خطة السلام والازدهار التي عرفت بصفقة القرن وهي خطة لتصفية القضية الفلسطينية وتجاهل القضايا الوطنية الكبرى (لا دولة فلسطينية ولا وحدة أراضيها ولا سيادة، لا عودة للاجئين والقدس عاصمة لإسرائيل وتحويل الضفة الغربية إلى مجموعة كبيرة من الكانتونات تتصل بجسور وأنفاق، تم رفضها في كل الفصائل الفلسطينية وكل قطاعات الشعب الفلسطيني وفشلت حينها، الآن يعود ترمب بصفقة القرن محدثة، وهذا ليس تحليلاَ، بل هناك بند في هذه الخطة البند التاسع ينص على خطة السلام والازدهار، سلام ووعيد لا وجود للمقاومة واستبعاد أي دور للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، يريد غزة عارية ومنزوعة السلاح أمام إسرائيل.
هناك مساران متوازيان، الأول هو إنشاء المؤسسات الثلاث (مجلس السلام، والمجلس التنفيذي، ولجنة التكنوقراط التي ستكون مسؤولة بشكل رئيسي عن توفير الأمن العام إضافة الى القضايا الانسانية والخدماتية) لكن هناك إشكالية تتعلق ببنية هذه مؤسسات التي أطلقها ترامب وأسماء أعضائها على الرغم من التنوع إلا أن الإدارة الأمريكية تريد أن تكون لها الغالبية وما تم الإعلان عنه بتوليفة مجلس السلام الكيان الأعلى هي أسماء أمريكية معروفة (روبيو ووينكوف وكوشنر) ماعدا طوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، تعيين الجنرال كاسبر جيفرز لقيادة قوة الاستقرار الدولية، وفي المجلس التنفيذي كوشنر وويتكوف إلى جانب حقان فيدان (تركيا) وحسن رشاد (رئيس جهاز الاستخبارات المصرية) وريم الهاشمي (الامارات وقطر)، ولجنة تكنوقراط ودلالة أسماء أعضاء مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية تؤكد أنها لا تمتلك أي صلاحيات فقط أداة للتنفيذ، سيتم التنسيق بين هذه المؤسسات لتنفيذ الخطة ووجود ترامب شخصياً ضروري لضمان نجاحها لنبقى داخل اللعبة الأمريكية والإسرائيلية.
أما المسار الثاني بالتوازي مع إنشاء المؤسسات السياسية والمدنية ثم قوة الاستقرار الدولية التي ستحل مكان قوات الاحتلال الإسرائيلية التي تسيطر على 60% من القطاع بعد انسحابها، وهنا القرار لنتنياهو حول وتيرة الانسحاب ويحدد مصير القطاع وإلى من يسلمه وكيف وماذا سيسلم إلى القوات الدولية المقترحة للبقاء!! وخاصة أنه معترض على لجنة التكنوقراط ووجود أطراف إقليمية اعترضت عليها باللجنة التنفيذية ورأينا تهديدات بن غفير بما يتعلق بذلك، وفيما يتعلق بنزع سلاح حماس هذه العملية ستسير بشكل متوازي مع الانسحاب الاسرائيلي من جهة ومن جهة ثانية إرساء قواعد الحكم في غزة وفقاً لما قاله ويتكوف سيكون هناك مفاوضات حول الأليات وطبيعتها فيما يتعلق بهذه المرحلة، ملفات يلفها الغموض وهناك مخاوف بشأن أوضاع السكان والمساعدات ونزع سلاح حماس وكيف يمكن التوافق والتنسيق بين المؤسسات الثلاث ولجنة التكنوقراط التي لا تملك قراراً سيادياً سياسياً تأخذ قراراتها كما يراد لها من مجلس السلام، والإشكالية الرئيسية متى يمكن أن تؤسس قوة الاستقرار ومن ثم نزع السلاح وهذا يتطلب وقتاً طويلاً ومزيداً من القتل والاحتلال.
وبنهاية المطاف ما علينا سوى الانتظار لنرى ما سيحدث في الأيام والأسابيع القادمة، وما يبدو بالفعل قد حصل حتى الآن أن مجلس الأمن قد تخلى عن صلاحياته القانونية وأن مجلس السلام برئاسة ترامب هو الذي يقرر مستقبل غزة والفلسطينيين وكله مرتهن على سلوكه وهو المتورط بفضائح إبستين وعلى رؤيته كما لو أن أمريكا لا تقتل ولا تقاتل الشعب الفلسطيني والعربي وعلى كل الجبهات لتحويل الشرق الأوسط إلى مقبرة؟!! ومن هنا تكمن الخطورة، والأخطر من ذلك عسكرة الخطة بتعيين ترامب جنرالاً أمريكياً في قيادة القوة الدولية للاستقرار والهدف الرئيس لهذه القوة انتصار إسرائيل وإنقاذها والسعي للقضاء على خصومها وتحقيق ما فشلت في تحقيقه بالسلاح على مدى عامين تحرير الرهائن وتجريد القطاع من سلاحه والقضاء على حماس، فلابد لهذا الطرف أن ينتهي وينهزم وهنا بيت القصيد، وهو الهدف الاستراتيجي واعادة تشكيل النمط السياسي والاجتماعي في القطاع والمنطقة بشكل آخر للحصار وشكل آخر للاحتلال، ولكن غزة تنهض لا كمدينة نجت بل كفكرة انتصرت.