مائدة الآلهة في متحف لوس أنجلس للفن المعاصر

بولس سركو:

في المفاهيم الجمالية الكلاسيكية كانت ميزة الإدهاش من الحالات المعيبة في الفن التشكيلي، ولكنها على العكس من ذلك في المفاهيم الجمالية المعاصرة، وكثيراً ما يتكرر أمامنا اليوم مشهد وجوه بقياسات غير ملائمة (٢م- ٢م ) مثلاً وهي قياسات كانت فيما مضى حكراً على الموضوعات الملحمية تهدر اليوم على مجرد وجه بعينين محدقتين وسط ركام من الطلاء المشوش للنظر ودون تفسير منطقي لهذا التضخيم ذو الطابع الإعلاني المجاني سوى أنه تكرار غير واعٍ بهدف الإدهاش الذي يغطي على خلل مفاهيمي غير قابل للعلاج لأن ما بعد الحداثة أصلاً حين حطمت كل ما سبقها لم تكن معنية بطرح أية بدائل.

لقد رأيت بأم العين نماذج صارخة تعمّدت الإدهاش بالتضخيم في متحف لوس أنجلس للفن المعاصر، بل يبدا الإدهاش منذ اللحظة التي يضع الزائر فيها قدمه على المدخل الرئيسي، فيصعد به سلم كهربائي داخل نفق مظلم تبدو جدرانه وكأنها محفورة في الصخر فيصل إلى مدخل واسع مبهر الإنارة ومفتوح على القاعة الرئيسية التي تتفرع منها قاعات فرعية على جوانبها.

ذلك الصعود من الأسفل إلى الأعلى في نفق بدائي الجدران مع التضاد الحاد بين الظلمة والنور هو بحد ذاته تعمّد للإدهاش المدروس بحيث يمنح الزائر جرعة مسرحية وكأنه عبَر ظلمات الماضي ووصل إلى فردوس ما بعد الحداثة المشع بالأنوار في دقيقة واحدة، وبالطبع لم يكن ذلك سوى مجرد تهيئة، فالقاعة الرئيسية التي أمامنا تتسع لعرض ما لا يقل عن خمسين عملاً من القياسات المتوسطة، لكنهم حجزوها وفرغوها بالكامل لعمل واحد فقط يغطي جداراً واحداً من جدرانها. ومما يثير الاستغراب الشديد وليس الدهشة فقط أن العمل المعروض ليس لبيكاسو ولا خوان ميرو ولا كاندنسكي ولا شاغال بل هو لمصورة ضوئية بولندية غير معروفة، وعملها المعروض ليس لوحة فنية بالمعنى المتداول لكلمة لوحة بل هو صورة ضوئية مكبرة لتغطي الجدار، موضوعها مركب بشكل مصطنع، فقد جمعت المصورة تمثالاً معروفاً لرأس كارل ماركس بلون رمادي غامق على قماشة بيضاء مع مجموعة من النساء العاريات وقد أدرن ظهورهن له، مما يثير العشرات من التساؤلات حول المعنى من جمع هذه العناصر مع بعضها دون الوصول إلى إجابة مقنعة إلا عندما يقرأ الزائر عنوان الصورة بجانبها (نهاية الماركسية)، وهنا تكمن الإجابة هنا يكمن سر كل تلك اللعبة ولماذا أفرغت القاعة الرئيسية المبهرة الإضاءة.

إنه ليس فقط احتفاءً فردوسياً بنهاية مفترضة للماركسية، بل تلقين دعائي نفسي لكل زائر ليترسخ عنوان (نهاية الماركسية) في ذاكرته كحقيقة أبدية ثابتة لا نقاش فيها، وهو استغلال سياسي شديد الفظاظة للفن من قبل هؤلاء الذين طالما أشاعوا طوال عقود بأن الإيديولوجيا الاشتراكية هي من كان يستغل الفن سياسيا بقدر ما اشاعوا مفهوم ضرورة فصل السياسة عن الفن وها هم يخرقونه علناً.

الأكثر إدهاشاً في إحدى القاعات الفرعية يعرض عمل تطبيقي هو عبارة عن طاولة وأربعة كراسي حولها مضخمة بشكل كبير يجعل القاعة تضيق به ويصل ارتفاع المشاهد واقفاً إلى أقل من ارتفاع قدم الكرسي ولا يتمكن هذا المشاهد من تأمل العمل من مسافة كافية، فهو سواء رضي أم لا يصبح في قلب المشهد ينظر إلى سقف الطاولة من تحتها.

هذا الاقتياد القسري إلى نمط رؤية مبرمج جعلني أفكر باحتمالات التفسير الأكثر سلبية وأستبعد السؤال البريء والطفولي عما إذا كان منتج العمل يتخيل أنه يعد وليمة لإلهة اسطورية وهو ينفذ عمله فأقرب صورة محتملة للتضخيم المبالغ فيه بدت لي من الناحية الفنية هنا هي صورة الكلب المنزلي الواقف عند قدم الطاولة منتظراً لقمة طعام لماذا؟

ببساطة لأن كل من درس بدائيات التعليم الفني يعرف خط النظر وكيفية رؤية العناصر فوق وعلى وتحت خط النظر، والمألوف بالنسبة لنا كبشر أن الطاولة والكراسي هي عناصر تقع تحت خط نظرنا ولكن من تقع نفس تلك العناصر تحت وعلى وفوق نظره هو الكلب المنزلي، فهل أراد منتج العمل أن يرينا عمله من خط نظر الكلب؟ في الحقيقة لا أستبعد خاصة أنني خارج للتو من مصيدة القاعة الرئيسية ولا أجزم في الوقت نفسه، ولكن من المؤكد أنه أراد إدهاشنا فإذا ما استبعدنا الادهاش لا يبقى من عمله شيء كونه لم يبدع ولم يبتكر ولم يخلق وكل ما قام به هو تكبير لعناصر اعتدنا على رؤيتها بأحجام تناسب حاجتنا إليها، فأقصى قيمة تمنح لعمله هي تصنيفه كحالة مهنية في الفن التطبيقي لا أكثر.

قد يتساءل هنا أصحاب عقدة النقص تجاه تفوق الثقافة الغربية: هل نحن أفهم ممن اختاروا عمله للعرض في متحف لوس أنجلس للفن المعاصر؟ وهو سؤال سوقي ومن الغباء الإجابة عليه من مستواه اي من باب من يفهم أكثر أو أقل، ففي ذلك رائحة مرضية متعفنة كما أن المسألة ليست إنكاراً لتطور الثقافة الغربية ولا تقوقعاً على الذات ولا رفضاً متعنتاً للتثقف، إنما موقف علمي للعقل النقدي من إيجابيات وكذا من سلبيات تلك الثقافة موقف محاكمة ومساءلة موقف من النفاق والتلاعب والازدواجية والقرصنة الثقافية.

العدد 1186 - 11/02/2026