فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

أحمد ديركي:

قبل استكمال ما بدأته من العمل على توثيق، والأصح إعادة التوثيق والتحديث قدر الإمكان، للمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين بدعم من كل من حمل ويحمل مركزاً (مرموقاً) أينما وجد على وجه الكرة الأرضية. والمراكز المرموقة تبدأ من رتبة موظف لتصل إلى رتبة رئيس جمهورية أو ملك أو زعيم قبيلة! قلت (من حمل) بصيغة الماضي لأن جزءاً منهم أموات، ولأن الأموات ساهموا بشكل كبير في تأسيس المشروع الصهيوني وتنفيذه، والحاليون يستكملون التنفيذ آخذين بعين الاعتبار التطورات التي لحقت بالمشروع منذ بداية التفكير به.

أدعوكم، قبل استكمال ما أعمل عليه، لحضور الاحتفال بدفن حرف (فـ)، وهو الحرف المتبقي من فلسطين. حفل سوف يحضره كل وجهاء العالم، وما أكثرهم (فهم من رتبة موظف وصولاً إلى رتبة رئيس أو…). لذا يرجى الحجز مسبقاً لضخامة الاحتفال بالدفن. لن يكون برنامج الدفن طويلاً، فهو مثل الاحتفالات السابقة لهذا الحدث؛ حفل يدوم ليومين أو ثلاثة كحد أقصى! يتحدث فيه الداعم الأول للاحتفال بالدفن، ممثل المخطط للمشروع، وحالياً هو الأمريكي، يليه منفذ المشروع، وهو الصهيوني، وقد يمنح في الختام كلمة لممول المشروع، وهو العربي. وقد تكون هناك كلمة للأوربي بصفته من أسس لهذا المشروع. أما كلمة الختام فيمكن أن تُعطى للأمم المتحدة لتكريس شرعية المشروع.

الدعوة عامة ومن لا يستطيع الحضور يمكنه مشاهدة احتفالية الدفن على كل وسائل الإعلام التقليدية والحديثة. في الختام سيقام احتفال مهرجاني غنائي ترفيهي بهذه المناسبة الدفنية العالمية.

المكان: أقرب دولة عربية لموقع دفن حرف الـ(فـ). وقد يكون موقع دفن الحرف.

التاريخ: بعد إنجاز تحضير (أرض الصومال) وطرد كل من بقي حياً من حرف الـ(فـ) إليها.

انتهى نص الدعوة

ملاحظة: كل من يقول إن المشروع الصهيوني – الإمبريالي قد هزم يمكنه مشاهدة احتفالية الدفن!

كما سيقام على أرض الدفن احتفالية لاحقة بمناسبة تحويلها إلى منطقة سياحية بنجوم سبعة مخصصة للبرجوازية وحلفائها السياسيين. سنعلمكم لاحقاً بوقت الاحتفالية اللاحقة.

اللباس رسمي، لأنه احتفال رسمي. يمكن حضور الأطفال ليشهدوا منذ صغرهم مدى ضخامة احتفالية الدفن وليتأسس في وعيهم عند الكبر لاستكمال المشروع مستقبلاً.

قد يحدث تعديل في نص الدعوة نعلمكم فيه حينه، لكنه ليس ثمة تعديل راهن اعتماداً على مجريات الأحداث الراهنة. سيحدث التعديل فيها عندما تعي شعوب العالم مدى خطورة مشاريع الطبقة البرجوازية وحليفتها الدولة الحديثة فتثور عليها. وفقاً لبرنامجها القائم على قاعدة (لا عمل ثوري بلا نظرية ثورية).

ملاحظة إضافية: نص الدعوة جزء لا يتجزأ من تحديث الموضوع الأساسي. ونعود الآن إلى موضوع التوثيق، لعل أحد الأطفال المدعوين إلى احتفالية الدفن يقرأ ويعي حقيقة المشروع الاستعماري ببعده البرجوازي ليعاود العمل على تشكيل وعيه انطلاقاً من القاعدة المذكورة أعلاه.

على الرغم من أن الكيان الصهيوني يخفي كل الوثائق، ولنكن أكثر دقة، معظم الوثائق المتعلقة بالتخطيط والتنفيذ لجريمة الابادة الجماعية التي نفذها عام 1948، إلا أن ما تبقى منها يكفي ويفيض لإدانته، وإدانة الأموات والأحياء، وليبدأ مشروع تحرير كامل تراب فلسطين. وجميع الوثائق يمكن الاطلاع عليها وما من حاجة لبذل مجهود للحصول عليها، لكن عملية التزوير العالمية لخدمته وخدمة المشروع الاستيطاني، والقضاء على القضية الفلسطينية حولت معظم هذه الوثائق إلى وثائق (منسية) مثل وثائق الصليب الأحمر الدولي حول مجزرة دير ياسين وملايين الوثائق الأخرى القديمة، أي المتعلقة بجرائمه في حينه، والحديثة. وميزة الوثائق الحديثة، حول جرائمه، عن القديمة هي أنها وثائق مرئية ومسموعة ومكتوبة للجميع. والجميع متآمر على فلسطين إلا حفنة قليلة جداً من البشر!

من وثائق مجازر الابادة الجماعية التي يذكرها بابه في كتابه وجود وثيقة أخرى مدون فيها اسماء أعضاء اللجنة، مع انها مسحت من قبل أجهزة الرقابة إى أنني استطعت بناءها… ص. 5

و(اللجنة) في الفقرة المقتبسة هي تلك اللجنة التي عقدت اجتماعاتها للتخطيط للابادة الجماعية وعملية تنفيذها. أي جميع الأسماء الآن أصبحت الآن معلومة من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ! فماذا كان عقابهم عالمياً؟ التصفيق على منجزاتهم الاجرامية!

لجنة كانت مهمتها الأساسية بأنها حضرت مخططات الإبادة الجماعية وأشرفت على تنفيذها حتى إتمام المهمة باقتلاع السكان الأصليين لفلسطين من جذورهم. وتضمنت هذه اللجنة ضباطاً من أعلى المراتب العسكرية، وهم أول من تبوأ مراتب عليا في جيش الدولة اليهودية التي أُقيمت لاحقاً… ص. 5

ضباط برتب عسكرية عالية خططوا وأشرفوا على تنفيذ الجريمة حتى آخر نقطة بالمخطط الذي رسموه، ومن بعدها أصبحوا قادة الكيان الاستعماري ويحتفل بهم على أنهم أبطال هذا المشروع الاستيطاني. احتفال يحضره ليس مؤسسي الكيان بل كل داعميه على مستوى العالم، وأسماؤهم ترفرف فوق رؤوس من نجا من هذه الجريمة! وإن قال الناجون «(إنهم مجرمون) تحول قولهم هذا إلى عمل إرهابي يدينه العالم بكل مؤسساته الرسمية وغير الرسمية. وتتكالب كل الهيئات العالمية الرسمية وغير الرسمية لمحاكمة أصحاب هذه الصرخة، وصولاً إلى حد تشريع قتلهم لأنهم إرهابيون وما يقوم، وقام، به هؤلاء (الأبطال) هو (دفاع عن النفس)! ليبرر لهم العالم استكمال جرائمهم.

من أسماء أعضاء اللجنة، منهم معروف على المستوى العالمي، ومنهم معرف فقط داخل فلسطين. وهذه بعض الأسماء:

يغال يادين (Yigael Yadin) وموشي دايان (Moshe Dayan) ويغال ألون (Yigal Allon) واسحاق ساده (Yitzhak Sadeh)… ص. 5

لن ندخل في تفاصيل كل اسم من هذه الأسماء، لكن لنبقَ عند الصهيوني موشي دايان. كم من زعيم عالمي صافح؟ وكم من زعيم عالمي رحب به؟ وكم من رئيس دولة صافح؟ وكم وكم وكم… وجميعهم رحب به وهم يعلمون بمساهمته في ارتكاب تلك الجرائم وولمساهمته بها نُصب في هذا المركز ولا أحد ممن صافحه قال له (أنت مجرم)، بل رحبوا به! أليس هذا اعترافاً عالمياً برفعة شرف الجريمة وانحطاط خطيئة المقاومة؟

الأمر الجدير بالتوقف عنده والتعلق بهؤلاء المجرمين العالميين والمدعومين عالمياً هو مسألة التخطيط المتقن القائم على دراسات مسبقة. فهم ليسوا بمجرمين عفويين كمن يقول علينا مقاومة المشروع الصهيوني من دون أن يحمل مشروعاً تحريرياً تغيرياً. أو قولهم بالمقاومة القائمة على ردة فعل بلا تأسيس صحيح وعلمي للمقاومة، أو الذهاب إلى عالم الغيب للاستعانة به للمقاومة أو… وهنا نعود لنؤكد القاعدة (لا عمل ثوري بلا نظرية ثورية). لكن للأسف استخدمتها البرجوازية قولاً وفعلاً محولة هذه القاعدة إلى (لا مشروع استعماري بلا نظرية استعمارية)، بينما تخلى كثيرون عن مضمون القاعدة فتحولت عندهم إلى مجرد قول من التراث الذي دفن مع دفن حرف الـ(ف).

فأعضاء اللجنة يصفهم بابه على أنهم:

هؤلاء العسكريون نوصفهم بلغة اليوم على أنهم (مستشرقون): خبراء بالعالم العربي وبشكل معمق أكثر بفلسطين، إما لأنهم أتوا من دول عربية أو لأنهم كانوا متخصصين بحقل دراسات الشرق الأوسط… ص. 5

فقرة بابه هذه تستلتزم التوقف عندها لفهم أعمق لنجاح المشروع الاستعماري في فلسطين، والذي أصاب في توصيفه الخالدي عندما قال أنه: (أنجح مشروع استعماري). قد، والأصح من دون كلمة (قد)، التخطيط القائم على أسس معرفية واحدة من أهم قواعد الفوز بالمعركة، حتى لو كانت استعمارية!

بداية هناك إشكالية تقوم على دور اليهود الذين كانوا في العالم العربي، ما قبل سايكس بيكو وصولاً إلى تقسيم الامبراطورية العثمانية بين المستعمرين وإنشاء كيانات سياسية لخدمتهم والتي كانت بدايتها مسألة (الانتداب)، ثم وعت الشعوب العربية للمحتل وثارت عليه وأسست للاستقلال لتعاود البرجوازية العربية الانقلاب على الثائرين وتقود هذه الكيانات بتحالفات برجوازية مع المستعمر. كيف تحول يهود المنطقة إلى صهاينة؟ ولماذا تصهينوا؟

كي نجيب على جزء من هذه الإشكالية التي من المستحيل أن يقوم بها فرد واحد، لأنها تستلزم عملاً جماعياً. فالإجاب عليها يفتح أكثر من باب ولكل باب اختصاصه، من التاريخ إلى الجغرافيا إلى الفلسفة إلى علم الاجتماع إلى… أي يفتح أبواب كل العلوم الإنسانية لخوض مغامرة ومعركة الإجابة، والإجابة الجزئية يمكن أن تبدأ مما كتبه كارل ماركس تحت عنوان (في المسألة اليهودية) لأنه عمل تأسيسي لإجابة صحيحة عليها.

يتبع وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني الباب مفتوح لمن يود الاستكمال

العدد 1186 - 11/02/2026